الفاتيكان

البابا فرنسيس يصدر رسالته لليوم الإرساليّ العالميّ 2019، ماذا في مضمونها؟
الاثنين 10 حزيران 2019
المصدر: نورنيوز
أصدر البابا فرنسيس ظهر الأحد، رسالته لمناسبة اليوم الإرساليّ العالميّ الّذي يُحتفل به في العشرين من ت1/ أكتوبر المقبل، تحت عنوان "مُعمَّدون ومُرسَلون: كنيسة المسيح في رسالة في العالم"، كتب فيها بحسب "فاتيكان نيوز":

 

"أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لقد طلبتُ من الكنيسة بأسرها أن تعيش خلال شهر تشرين الأوّل 2019، زمنًا استثنائيًا من الرّسالة للاحتفال بالذّكرى المئويّة لإصدار الرّسالة الرّسوليّة "Maximum illud"، للبابا بنديكتوس الخامس عشر. وقد أثبت لي بُعدُ النّظر النّبويّ لاقتراحها الرّسوليّ، مدى أهمّيّة تجديد الالتزام الإرساليّ للكنيسة في يومنا هذا، وإعادة تأهيل رسالتها بروح إنجيليّ لكي تعلن وتحمل إلى العالم خلاص يسوع المسيح المائت والقائم من الموت.

تحمل هذه الرّسالة نفس عنوان شهر تشرين الأوّل الإرساليّ: مُعمَّدون ومُرسَلون: كنيسة المسيح في رسالة في العالم. إنّ الاحتفال بهذا الشّهر سيساعدنا في المقام الأوّل على إعادة اكتشاف المعنى الإرساليّ لانتمائنا إلى يسوع المسيح بالإيمان، وهو إيمان نلناه مجّانًا كهبة في المعموديّة. فانتماؤنا البنويّ إلى الله ليس أبدًا عملًا فرديًّا، إنّما هو فعل كنسيّ على الدّوام: من الشّركة مع الله، الآب والابن والرّوح القدس، تولد حياة جديدة مع العديد من الإخوة والأخوات الآخرين. وهذه الحياة الإلهيّة ليست منتجًا يباع - نحن لا نمارس الاقتناص – بل هي غنى نعطيه وننقله، ونعلنه: هذا هو معنى الرّسالة. مجّانًا نلنا هذه الهبة ومجّانًا نتقاسمها مع الجميع من دون استثناء أحد. فالله يريد أَن يَخلُصَ جميعُ النَّاس ويبلغوا إِلى معرفةِ الحقّ ويختبروا رحمته بفضل الكنيسة، الّتي هي سرّ الخلاص للعالم أجمع.

إنّ الكنيسة هي في رسالة في العالم: إنَّ الإيمان بيسوع المسيح يعطينا البعدَ الصّحيح لجميع الأمور، ويجعلنا نرى العالم بعيني الله وقلبه؛ والرّجاءُ يفتحنا على الآفاق الأبديّة للحياة الإلهيّة الّتي نشارك فيها حقًّا؛ وتدفعنا المحبّة، الّتي نتذوّقها مسبقًا في الأسرار المقدّسة وفي المحبّة الأخويّة، إلى أقاصي الأرض. إنَّ الكنيسة الّتي تنطلق حتّى أقاصي الأرض تتطلّب ارتدادًا إرساليًّا مستمرًّا ودائمًا. كم من القدّيسين، وكم من نساء ورجال إيمان يشهدون لنا، ويُظهرون لنا أنّه من الممكن أن نعيش هذا الانفتاح غير المحدود، وهذا الانطلاق المفعم بالرّحمة، كدفع ملحٍّ للمحبّة ولمنطقها الجوهريّ للعطاء والتّضحية والمجّانيّة! ليكن رجلَ الله مَن يبشِّر بالله.

إنّها مهمّة تلمسنا عن كثب: أنا رسالة على الدّوام؛ أنت رسالة على الدّوام؛ كلّ معمّدة وكلّ معمّد هو رسالة. فمن يحبّ ينطلق مدفوعًا ليخرج من ذاته؛ وإذ ينجذب يَجذُب، ويهبُ ذاته للآخر وينسج علاقات تولّد الحياة. ما من أحد عديم الفائدة أو غير مهمً بالنسبة لمحبّة الله. فكلّ واحد منّا هو رسالة في العالم لأنه ثمرة حبّ الله. فحتّى لو خان أبي وأمّي الحبَّ، بالكذب والكراهية وعدم الأمانة، فالله لا يتراجع أبدًا عن هبة الحياة، ويخصّص كلّ واحد من أبنائه، منذ الأزل، إلى حياته الإلهيّة والأبديّة. 

إنّ هذه الحياة تُعطى لنا في المعموديّة الّتي تمنحنا الإيمان بيسوع المسيح، قاهر الخطيئة والموت، وتخلقنا من جديد على صورة الله ومثاله، وتُدخِلنا في جسد المسيح الّذي هو الكنيسة. بالتّالي فالمعموديّة، بهذا المعنى، هي ضروريّة حقًّا للخلاص لأنّها تضمن بأنّنا أبناء وبنات، دائمًا وفي كلّ مكان، وأنّنا لسنا أبدًا أيتامًا أو غرباء أو عبيد، في بيت الآب. إنّ ما هو في المسيحيّ حقيقةٌ أسراريّة– والّتي تبلغ تمامها في الإفخارستيّا– يبقى دعوة ومصير كلّ رجل وامرأة ينتظرون الارتداد والخلاص. فالمعموديّة، في الواقع، هي وعد تحقّقه العطيّة الإلهيّة الّتي تجعل الإنسان ابنًا في الابن. نحن أبناء لوالدينا الطّبيعيّين، لكنّنا نُعطى في المعموديّة الأبوّة والأمومة الحقيقيّة الأصيلة: لا يمكن لله أن يكون أبًا لمن ليست الكنيسة أمّه.

هكذا تتجذّر رسالتنا في أبوّة الله وأمومة الكنيسة، لأنّ الإرسال الّذي عبّر عنه يسوع في الوصيّة الفصحيّة يتأصّل في المعموديّة: كما أرسلني الآب، أرسلكم أنا أيضًا ممتلئين بالرّوح القدس من أجل مصالحة العالم. يتحمّل المسيحيّ مسؤوليّة هذا الإرسال، لكي لا يغيب عن أحد إعلان دعوته كابن بالتّبنّي، واليقين بكرامته الشّخصيّة والقيمة الجوهريّة لكلّ حياة بشريّة منذ الحمل بها وحتّى موتها الطّبيعيّ. إنّ النّزعة العلمانيّة المنتشرة، عندما تصبح رفضًا إيجابيًا وثقافيًا لأبوّة الله النّاشطة في تاريخنا، تَمنع كلّ أخوّة شاملة وحقيقيّة يُعبّر عنها من خلال الاحترام المتبادل لحياة كلّ فرد. فبدون إله يسوع المسيح، يتحوّل كلّ اختلاف إلى تهديد جهنميّ، وتصبح كلُّ ضيافة أخويّة وكلّ وحدة خصبة للجنس البشريّ أمرًا مستحيلًا.

إنّ الخلاص الشّامل الّذي قدّمه الله في يسوع المسيح قد قاد بنديكتوس الخامس عشر إلى المطالبة بتخطّي كلّ انغلاق قوميّ وعرقيّ، وعلى كلّ خلط لإعلان الإنجيل مع القوى الاستعماريّة، ومصالحها الاقتصاديّة والعسكريّة. وقد ذكّر البابا في رسالته الرّسوليّة "Maximum illud"، أنّ الشّموليّة الإلهيّة لرسالة الكنيسة تتطلّب من الشّخص الخروج من الانتماء الحصريّ لبلده وعرقه. كذلك يتطلّب انفتاح الثّقافة والجماعة على حداثة يسوع المسيح الخلاصيّة تخطّي كلَّ انغلاق عرقيّ وكنسيّ غير مباح. ولا تزال الكنيسة حتّى اليوم، تحتاج إلى رجال ونساء يجيبون بسخاء، بفعل معموديّتهم، على الدّعوة لترك منازلهم وعائلاتهم وأوطانهم ولغاتهم وكنيستهم المحلّيّة. ويُرسلون إلى الأمم، في العالم الّذي لم يتجلّى بعد بفعل أسرار يسوع المسيح وكنيسته المقدّسة. ويعلنون كلمة الله، ويشهدون للإنجيل ويحتفلون بحياة الرّوح القدس، ويدعون إلى الارتداد، ويعمّدون ويمنحون الخلاص المسيحيّ محترمين حرّيّة الأفراد الشّخصيّة، في حوار مع ثقافات وأديان الشّعوب الّتي أُرسلوا إليها. إنّ الرّسالة لدى الأمم، الّتي لا تزال ضروريّة للكنيسة، تساهم هكذا بشكل أساسيّ في العمليّة الدّائمة لارتداد جميع المسيحيّين. إنَّ الإيمان في فصح يسوع، والإرسال الكنسيّ بفعل المعموديّة، والخروج الجغرافيّ والثّقافيّ من الذّات ومن المنزل الشّخصيّ، والحاجة إلى الخلاص من الخطيئة والتّحرّر من الشّرّ الشّخصيّ والاجتماعيّ، جميع هذه الأمور تتطلّب الرّسالة حتّى أقاصي الأرض.

إنَّ هذه المصادفة مع الاحتفال بالسّينودس الخاصّ حول كنائس الأمازون، تحملني لكي أسلّط الضّوء على كيف أنَّ الرّسالة الّتي أوكلها إلينا يسوع مع هبة روحه، لا تزال آنيّة وضروريّة حتّى بالنّسبة لتلك الأراضي وسكّانها أيضًا. إنّ عنصرة متجدّدة تشرِّع أبواب الكنيسة لكي لا تبقى أيّة ثقافة منغلقة على ذاتها ولا يُعزل أيّ شعب بل ينفتح على شركة الإيمان الشّاملة. ولكي لا يبقى أحد منغلقًا على نفسه، في المرجعيّة الذّاتيّة لانتمائه العرقيّ والدّينيّ. لأنّ فصح يسوع يكسر الحدود الضّيّقة للعالم والأديان والثّقافات، ويدعوها إلى النّموّ في الاحترام لكرامة الرّجل والمرأة، ونحو ارتداد كامل إلى حقيقة الرّبّ القائم من الموت الّذي يمنح الحياة الحقّة للجميع.

تعود إلى ذهني في هذا الصّدد، كلمات البابا بنديكتوس السّادس عشر في بداية اجتماع أساقفة أميركا اللّاتينيّة في آباريسيدا، في البرازيل، عام ٢٠٠٧؛ كلمات أرغب في أن أذكرها هنا وأن أتبنّاها: "ماذا يعني قبول الإيمان المسيحيّ بالنّسبة لبلدان أميركا اللّاتينيّة والكاريبي؟ يعني بالنّسبة لها، معرفة وقبول المسيح، الإله المجهول الّذي كان أسلافهم يبحثون عنه، من دون أن يعرفوا، في تقاليدهم الدّينيّة الغنيّة. لقد كان المسيح المخلّص الذي كانوا يتوقون إليه بصمت. هذا يعني أيضًا أنّهم نالوا، بماء المعموديّة، الحياة الإلهيّة الّتي جعلتهم أبناء الله بالتّبنّي؛ وأنّهم نالوا أيضًا الرّوح القدس الّذي جاء ليخصب ثقافاتهم، ويطهّرها وينمّي البذور العديدة الّتي زرعها الكلمة المتجسّدة فيها، موجّهًا إيّاها هكذا نحو سبل الإنجيل [...] إنَّ كلمة الله، الّتي تجسّدت في يسوع المسيح، قد أصبحت أيضًا تاريخًا وثقافة. إنّ يوتوبيا إعادة إحياء الأديان الّتي سبقت وصول كولومبوس، والّتي تفصلها عن المسيح والكنيسة الشّاملة، ليست بتقدّمٍ، إنّما هي تراجع. لا بل ستكون في الواقع، بمثابة عودة إلى زمن تاريخيّ مترسّخ في الماضي".

إلى مريم أمّنا نوكل رسالة الكنيسة. فالعذراء، إذ تتّحد بابنها، بدأت مسيرتها منذ التّجسّد، ودخلت في مشاركة كاملة في رسالة يسوع؛ رسالة أصبحت أيضًا رسالتها الشّخصيّة عند أقدام الصّليب: أن تتعاون كأمّ للكنيسة في أن تلد بالرّوح القدس والإيمان أبناء وبنات جددًا لله. أودّ أن أختتم كلمتي بكلمة مختصرة حول الأعمال الرّسوليّة البابويّة، الّتي سبق وتمّ اقترحها في الرّسالة "Maximum illud" كأداة رسوليّة. تعبّر الأعمال الرّسوليّة البابويّة عن خدمتها للشّموليّة الكنسيّة كشبكة عالميّة تدعم البابا في التزامه الإرساليّ من خلال الصّلاة، الّتي هي روح الرّسالة، وأعمال المحبّة الّتي يقوم بها المسيحيّون المنتشرون في جميع أنحاء العالم. إنّ صدقاتهم تساعد البابا في تبشير الكنائس الخاصّة، وفي تنشئة الكهنة المحلّيّين، وفي تنشئة الضّمير الرّسوليّ لدى أطفال العالم كلّه وفي التّنشئة الرّسوليّة لإيمان المسيحيّين. فيما أجدّد دعمي لهذه الأعمال، أتمنّى أن يساهم الشّهر الإرساليّ الاستثنائيّ في شهر تشرين الأوّل 2019 في تجدّد خدمتهم الرّسوليّة لخدمتي الرّسوليّة كخليفة القدّيس بطرس. وإلى المرسلين والمرسلات وجميع الّذين وبأيّ شكل من الأشكال يشاركون بقوّة معموديّتهم في رسالة الكنيسة أمنح بركتي الرّسوليّة".