الفاتيكان

البابا فرنسيس: الرّبّ لا يدعونا أبدًا بشكل منفرد وإنّما وعلى الدّوام داخل أخوّة
الخميس 06 حزيران 2019
المصدر: نورنيوز
إشار البابا فرنسيس خلال استقباله اليوم المسؤولين عن الدّعوات في أوروبا، إلى خطوط "عزيزة" على قلبه في كلمة عفويّة قال فيها بحسب "فاتيكان نيوز":

 

"أريد أن أشير إليكم ببعض الخطوط العزيزة على قلبي. في الإرشاد الرّسوليّ "Christus vivit" شجّعت على "النّموّ في القداسة والالتزام في سبيل الدّعوة الشخصيّة". كذلك أشجّعكم أنتم الّذين تعملون في ما يعرف بالقارّة القديمة على أن تؤمنوا أنَّ كلَّ شيء يلمسه المسيح يصبح نضرًا ويمتلئ بالحياة.

إنّ الخطوط الثّلاثة الّتي أشير بها إليكم هي القداسة كدعوة تعطي معنى لمسيرة الحياة بأسرها، الشّركة كإطار للدّعوات في الكنيسة؛ الدّعوة بحدّ ذاتها وككلمة ينبغي الحفاظ عليها وضمّها إلى الكلمات الأخرى: السّعادة، الحرّيّة، معًا، وتصريفها كتكرّس مميّز.

إنَّ الحديث عن الدّعوة يحمل دائمًا على التّفكير بالشّباب لأنّ الشّباب هو المرحلة المميّزة لخيارات الحياة والإجابة على دعوة الله. هذا أمر جيّد، ولكن لا يجب أن ننسى أبدًا أنّ الدّعوة هي مسيرة تدوم مدى الحياة. إنَّ الدّعوة في الواقع، ترتبط بزمن الشّباب فيما يتعلّق بالتّوجّه والوجهة الّتي ينبغي اتّخاذها كجواب على دعوة الله وترتبط بحياة البالغ في أفق الخصوبة وتمييز الخير الّذي يجب القيام به. غالبًا ما نعتبر الدّعوة كمغامرة فرديّة معتقدين أنّها تتعلّق "بي" فقط وليس "بنا" جميعًا. في الواقع لا أحد يخلص وحده ونصبح قدّيسين معًا ومن الضّروريّ أن نعتني بقداسة الشّعب المشتركة هذه.

لا يمكن للعمل الرّاعويّ إلّا أن يكون سينودسيًّا، أيّ أن يكون قادرًا على أن يعطي شكلاً لنوع من "السّير معًا". لأنّ السّينودسيّة هي ابنة الشّركة، أيّ عيش البنوّة والأخوّة وتعزيز الاحترام المتبادل وتقدير غنى كلِّ فرد والإيمان أنّه بإمكان القائم من الموت أن يصنع العظائم حتّى من خلال الجراح والهشاشة الّتي تشكّل جزءًا من تاريخ الجميع. وبالتّالي من شركة الكنيسة ستولد دعوات جديدة. باعترافنا ببعضنا البعض كجماعة– منفتحة، حيّة وإدماجيّة– نصبح قادرين على المستقبل، وهذا ما يعطش له الشّباب.

إنّ كلمة دعوة لم تفقد صلاحيّتها. لقد استعدناها في السّينودس الأخير وخلال جميع المراحل. لكن وجهتها تبقى شعب الله، الوعظ والتّعليم المسيحيّ ولاسيّما اللّقاء الشّخصيّ الّذي يشكّل اللّحظة الأولى لإعلان الإنجيل. نحن بحاجة لرجال ونساء، علمانيّين ومكرّسين شغوفين ومتحمّسين للّقاء بالله ومتحوِّلين في إنسانيّتهم قادرين على أن يعلنوا من خلال حياتهم السّعادة الآتية من دعوتهم.

أن يكون المرء علامةً فرِحة ليس أبدًا أمر مُسلّم به، ومع ذلك هذه هي المسألة الأكثر أهمّيّة لزمننا الّذي نجد فيه العديد من أتباع "إله التّذمُّر" الّذين يكتفون بأفراح عابرة. لكنَّ الفرح هو أمر أعمق ويبقى حتّى عندما يختفي حماس اللّحظة وعندما تظهر الصّعوبات والألم واليأس. إنّ الفرح يبقى لأنّه يسوع نفسه وصداقته تدوم إلى الأبد. إنّ بعض خبرات راعويّة الشّباب وراعويّة الدّعوات تخلط بين الفرح الّذي هو يسوع والفرح كمجرّد محرّك للمشاعر وتعلن الدّعوة وكأنّها أمر منير وحسب. لكن هذا الأمر ليس جيّدًا لأنّنا عندما ندخل في علاقة مع جسد البشريّة المتألّم يختفي هذا الفرح. من ثمَّ هناك آخرون يقدّمون فكرة تمييز الدّعوة أو السّير في الحياة الرّوحيّة كمسألة تقنياّت أو قواعد ينبغي اتّباعها، فيما أنّ الحياة الّتي يقدّمها لنا الله في الواقع هي دعوة لنكون جزءًا من قصّة حبٍّ تتداخل مع قصصنا.

صحيح أنّ كلمة دعوة قد تخيف الشّباب لأنّه غالبًا ما يتمُّ خلطها مع مشروع يسلبنا الحرّيّة. لكن الله يعضد حتّى النّهاية حرّيّة كلّ فرد، وبالتّالي من الجيّد أن نذكّر بهذا الأمر لاسيّما عندما تولّد المرافقة الشّخصيّة أو الجماعيّة ديناميكيّات تبعيّة وخضوع. يمكننا أن نعرف الدّعوة انطلاقًا من الواقع بالإصغاء إلى كلمة الله والتّاريخ، بالإصغاء إلى الأحلام الّتي تلهم القرارات وفي دهشة اكتشاف أنّ ما نريده فعلاً هو أيضًا ما يريده الله منا.

إنّ الدّعوة ليست أبدًا "خاصّتي" لأنَّ الأحلام الحقيقيّة هي أحلامنا معًا وبالتّالي لا يمكن لأحد أن يقوم بخيار حياة لنفسه فقط لأنَّ الدّعوة هي على الدّوام مع الآخرين ومن أجلهم. إنَّ الرّبّ لا يدعونا أبدًا بشكل منفرد وإنّما وعلى الدّوام داخل أخوّة لكي نتقاسم مشروع الحبّ خاصّته الّذي يجمع على الدّوام ومنذ البدء لأنّه هو نفسه ثالوث رحيم. ولذلك لا يمكن أبدًا لراعويّة الدّعوات أن تكون مهمّة بعض القادة وحسب وإنّما مهمّة الجماعة لأنّ كلّ عمل راعويّ يتعلّق بالدّعوات وكذلك كلّ تنشئة وكلّ روحانيّة.

إن انطلقنا من قناعة أنَّ الرّوح القدس لا زال يولّد دعوات إلى الكهنوت وإلى الحياة المكرّسة، يمكننا عندها أن نلقي الشّباك مجدّدًا باسم الرّبّ وبثقة تامّة. أريد أن أؤكِّد بقوّة على هذا اليقين وأشجّعكم على وضع طاقات أكبر في إطلاق عمليّات وتوسيع فسحات أخوّة مذهلة لأنّها تعيش من الإنجيل. لا تخافوا إذًا من أن تقبلوا تحدّي أن تعلنوا الدّعوة إلى الحياة المكرّسة وإلى الكهنوت لأنّ الكنيسة بحاجة لذلك! وعندما يلتقي الشّباب برجال ونساء مكرّسين صادقين، ليس لأنّهم كاملين وإنّما لأنّهم مطبوعين باللّقاء بالرّبّ، يتذوّقون عندها حياة مختلفة ويتساءلون حول دعوتهم.

إنّ حياة الجميع اليوم ممزّقة وأحيانًا جريحة أيضًا وكذلك حياة الكنيسة وبالتّالي فالتّجذّر بالمسيح هو الدّرب الأساسيّة لكي نسمح لعمله بأن يعيد تجميعنا. إنّ مرافقة الدّعوة وتنشئتها يعنيان تأييد عمل المسيح الّذي جاء ليحمل البشرى السّارّة للفقراء ويضمّد جراح القلوب المنكسرة ويعلن الحرّيّة للعبيد والبصر للعميان. تشجّعوا إذًا لأنّ المسيح يريدنا أحياء!".