الفاتيكان

البابا فرنسيس: الظّلم الذي يُبكي الأرض والفقراء ليس أمرًا لا يمكن هزيمته
السبت 09 آذار 2019
المصدر: نورنيوز
إستقبل البابا فرنسيس، ظهر يوم الجمعة، في القصر الرّسوليّ، المشاركين في مؤتمر "الأديان وأهداف التّنمية المستدامة"؛ والذي يشترك في تنظيمه دائرة خدمة التّنمية البشريّة المتكاملة والمجلس الحبريّ للحوار بين الأديان، الذي بدأ أعماله الخميس 7 آذار/مارس. وللمناسبة، ألقى فرنسيس كلمةً قال فيها بحسب "فاتيكان نيوز":

"إنّنا، وحين نتحدّث عن التّنمية المستدامة، لا يمكننا أن نتجاهل أهميّة الدّمج والإصغاء إلى أصوات الجميع، وخاصّةً أصوات المهمَّشين عن هذا النّقاش مثل الفقراء والمهاجرين، السّكان الأصليّين والشّباب. ومن غاية الأهميّة أن يتبع تحقيق أهداف التّنمية المستدامة طبيعتها الأصليّة، أي كونها مدمِجة ومشركِة. وبالحديث عن أهداف التّنمية المستدامة لعام 2030، إنّ الاتّفاق عليها يُعتبر خطوةً كبيرةً إلى الأمام في الحوار العالميّ من أجل تضامن عالميّ جديد.

 

وإنّ تقاليد دينيّة عديدة، من بينها الكاثوليكيّة، قد رحّبت بهذه الأهداف لكونها ثمرة مسيرات مشارَكة عالميّة تعكُس قيمة الأشخاص، كما أنّها تقوم على رؤية متكاملة للتّنمية.

أمّا عن مفهوم التّنمية، فإنّ فكرة التّنمية كانت لفترة طويلة مقصورة على النّمو الاقتصاديّ وحده، ما أدّى إلى قياس التّقدُّم بمعايير النّموّ المادّي فقط، ما يجعلنا نمارس استغلالًا غير عقلانيّ للطّبيعة والكائنات البشريّة. إلّا أنّ الحديث عن التّنمية البشريّة يعني تنمية الأشخاص جميعًا لا قليلين فقط، والشّخص البشريّ بكامله لا البعد المادّي فقط، وأُذكّركم بما أوضح البابا القدّيس بولس السّادس في الرّسالة العامّة "تَرَقي الشّعوب"؛ ومن الأهميّة بالتّالي أن يطرح النّقاش حول التّنمية نماذج دمج اجتماعيّ وارتداد إيكولوجيّ قابلة للتّطبيق، حيث لا يمكننا أن ننمو كبشر مُغذّين اللّامساواة والتّردّي البيئيّ.

 

لذا، من المهمّ أن نلتزم جميعًا بتشجيع وتطبيق أهداف التّنمية التي تدعمها أكثر قيمنا الدّينيّة والأخلاقيّة عمقًا، وذلك لأنّ التّنمية البشريّة ليست فقط مسألة اقتصاديّة، بل هي في المقام الأوّل دعوةً، نداءً يتطلّب جوابًا حرًّا ومسؤولًا، حسب ما ذكر البابا الفخريّ بندكتس السّادس عشر في الرّسالة العامّة "المحبّة في الحقيقة". وأرجو أن يسفر المؤتمر الذي استقبل اليوم المشاركين فيه عن إجابات ملموسة على صرخة الأرض وصرخة الفقراء، وعن اقتراحات مُحدّدة لتعزيز تنمية مستدامة ولتسهيل تنمية مَن هم في عوز، وحديث البابا الفخريّ في الرّسالة المذكورة عن إعادة توزيع الثّروة على الصّعيد العالميّ خير دليل على ذلك.

 

 

وأنا أُرحّب باستعداد المشاركين في المؤتمر للاستماع إلى ممثّلي التّقاليد الدّينيّة المختلفة، والذين عليهم من جانبهم الاستفادة من غنى تراثهم، من أجل حوار حقيقيّ يقوم على الاحترام حول كيفيّة بناء مستقبل كوكبنا.

 

وإنّ التّراث الدّينيّ يؤكّد التّرابط والتّداخل بين كلّ الأمور، وأُذكّركم في هذا السّياق بما كُتب في الرّسالة العامّة "كن مسبَّحًا": "إنّ العناية الأصيلة بحياتنا ذاتها وبعلاقتنا مع الطّبيعة هي جزء لا يتجزّأ من الأخوّة والعدالة والإخلاص تجاه الآخرين" (70).

 

وأُذكّركم بأنّ الأهداف الاقتصاديّة والسّياسيّة يجب أن تدعمها أهداف أخلاقيّة. ومن جهة أخرى، يؤكّد البابا القدّيس يوحنا بولس الثّاني عام 2001 عن ضرورة تشجيع ودعم ارتداد إيكولوجيّ. ومن هنا يأتي الدّور الهامّ للأديان، وإذا أردنا وضع أسس قويّة لخطّة التّنمية المستدامة لعام 2030، فعلينا تفادي البحث عن إجابات تكنوقراطيّة على التّحدّيات، وأن نكون مستعدّين لمواجهة الأسباب العميقة والتّبعات على المدى الطّويل.

 

 

وإنّ الشّعوب الأصليّة، والتي تساهم في حماية حوالى 80% من التّنوّع البيولوجيّ في الأرض، يذكِّرون الجميع في عالم معلمَن بقدسيّة الأرض. ويجب أن يكون صوتهم ومخاوفهم في مركز تطبيق خطّة التّنمية المستدامة لعام 2030 وفي مركز البحث عن دروب جديدة من أجل مستقبل مستدام. وأنا سأُناقش هذا الأمر مع الأساقفة خلال السّينودس الخاصّ بمنطقة الأمازون الذي سيُعقد في تشرين الأوّل/ أكتوبر القادم.

 

 

ومن الضّروري أن نكون على وعي واضح بأهميّة تسريع وتكييف أفعالنا للرّد بشكل ملائم على صرخة الأرض وصرخة الفقراء. وإنّ تحدّيات مركَّبة متعدّدة الأسباب تتطلّب إجابات مركَّبة بدورها ومحترِمة للغنى الثّقافيّ المختلف للشّعوب، ومن هنا أعودُ لأُذكّر بأهميّة الأديان.

 

 

وأشكر لجهودكم من أجل العناية ببيتنا المشترك، وأُؤكّد لكم حسب ما جاء في الرّسالة العامّة "كن مسبَّحا" أنّ "البشر، القادرين على الانحطاط إلى أقصى الحدود، هم أيضًا قادرون على تخطّي ذواتهم والعودة من جديد لاختيار الخير، والتّجدد" (205). هذا هو التّغير الذي تستدعيه الظّروف الحاليّة، لأنّ الظّلم الذي يُبكي الأرض والفقراء ليس أمرًا لا يمكن هزيمته."