لبنان

عظة الرّاعي بمناسبة أحد الكهنة وافتتاح سنة الشّهادة والشّهداء
الأحد 05 شباط 2017
المصدر: نورنيوز
ترأّس المطران منير خيرالله المكلّف برئاسة اللّجنة البطريركيّة لسنة الشّهادة والشّهداء قدّاس الأحد في الصّرح البطريركي في بكركي، وعاونه النّائب البطريركي المطران حنّا علوان والمطران سمير نصّار، بحضور السّفير البابوي غابرييل كاتشا والملحق الثّقافي في السفارة الالمانية في لبنان، Peter Hofmann، ورابطة قنوبين للرسالة والتراث وشركة Allianz SNA بمناسبة إصدار كتاب "ألوان قنوبين"، وحشد من المؤمنين. وبعد الانجيل المقدس ، ألقى المطران حنّا علوان عظة الرّاعي التي جاءت بعنوان "من تراه الوكيل الأمين الحكيم" (لو 12: 42)، وقال فيها:

 

 الأمانة في حياة الكاهن، هي أمانته لقدسيّة الكهنوت وللرسالة الموكولة إليه؛ والأمانة للمسيح الذي دعاه ووكّله، وللنفوس الموكولة إلى عنايته، ومحبّته وسهره واندفاعه. إنّ الأمانة تنبع من الإيمان، وتتشدّد بالرجاء، وتكتمل بالمحبة.

أمّا الحكمة، فهي حسن تصرّف الكاهن وتعامله والقيام بالواجب وممارسةِ المسؤولية. إنّها أولى مواهب الروح القدس السبع التي تنير الإيمان وتصوِّب العقل نحو كلّ ما هو حقّ وخير وجمال. الحكمة عنده هي أن ينظر من منظار المسيح، لكي يؤدِّيها كما لو أنّ المسيح نفسه يقوم بها، بالرّغم من الضّعف الشّخصي والمحدوديّة. ما يتطلّب منه اتِّحاداً دائماً بالمسيح، وتنشئة روحيّة وعلميّة وراعويّة مستمرّة، لكي يكون على مستوى التحدّيات اليومية.

 وتقتضي رسالة الكاهن أن"يعطي الطعام في حينه" (لو12: 42) للنفوس خاصّة المسيح التي يسمّيها "أهل بيته" (الآية 42). هذا الطعام يشمل مسؤوليّات الكاهن الأساسيّة الثّلاث: كلمة الله التي تولِّد الإيمان وتنير العقول والقلوب، ويقدِّمها للجميع بالكرازة والتعليم والإرشاد والكتابة؛ تقديس النفوس بتوزيع نعمة الأسرار، وتأدية الخدم الليتورجيّة، وإحياء الصلاة الفرديّة والجماعيّة لدى المؤمنين، وتقويم كلّ مسلك أوتصرّف منافٍ للإنجيل ولتعليم الكنيسة الرسمي الروحي والأخلاقي؛ خدمة المحبة برعاية النفوس وتكوين جماعة متحابّة وموحَّدة ومتضامنة؛ وبالاهتمام بالفقراء والمرضى والمسنّين واليتامى وذوي الحاجات الخاصّة؛ وحلّ النزاعات بين الأزواج أو بين سواهم بالمصالحة والتّفاهم.

من واجب المؤمنين أن يطلبوا هذا "الطعام"، ويسعوا إليه، ويقبلوه، ويعاونوا الكاهن في تقديمه لأبناء رعيته، من خلال المبادرات الفردية، وعبر المجالس واللّجان والمنظّمات الرسوليّة وسواها من الترتيبات الكنسيّة.

انّ الأمانة والحكمة فضيلتان مطلوبتان من كلّ صاحب مسؤولية في الكنيسة والمجتمع والدولة. إنّ ممارستها تقتضي الأمانة لواجب الحالة والمهمّة والوظيفة، وللمواطنين الذين هم"مصدر السلطات ويمارسونها عبر المؤسّسات العامة" كما تنصّ مقدِّمة الدستور اللّبناني (فقرة د). "فالطعام"، على هذا المستوى هو تأمين الخير العام بكلّ أشكاله، لأنّ منه خير الجميع وخير كلّ مواطن.

 

وتقتضي ممارسة المسؤوليّة المدنيّة فضيلة الحكمة التي هي القيام بالمسؤوليّة من دون لوم أمام الله والناس، أعني أداءها باندفاع وتجرّد من أجل الخير الشامل.

 

 إنّ "سنة الشهادة والشهداء" تعني أيضاً وبشكل خاصّ المسؤولين السياسيّين الذين تُناط بهم السّلطتان التشريعيّة والإجرائيّة. إنّهم مؤتمنون على سنّ القوانين والتشريعات التي تخدم الشعب، من دون تمييز، بعيداً عن جعلها لخدمتهم الشخصيّة أو الفئويّة أو المذهبيّة، كما هي الحال، ويا للأسف، مع سنّ قانون جديد للانتخابات، إذ يحاولون صياغته، من دون جدوى، منذ سنة 2005. الشّهادة تقتضي منهم أن يكونوا شهوداً للحقيقة والعدالة والخير العام والاندفاع في خدمة الوطن والمواطنين. والاستشهاد يقتضي منهم لا شهادة الدّم، بل التّضحية بمصالحهم وحساباتهم المناقضة لخير الشّعب والبلاد.

 إنّنا نبدأ معاً مسيرة "سنة الشهادة والشهداء"، راجين أن تكون مناسبة فريدة لتجديد التزامنا المسيحي بالشهادة للمسيح، من أجل انتصار المحبة على البغض، والمسامحة على الحقد، والمصالحة على النزاع، والعدالة على الظلم، والسّلام على الحرب، في وطننا وبلدان هذا المشرق. ولتكن ذكرى شهدائنا القديسين والأبرار نشيدَ تسبيح وتمجيد للثالوث القدّوس، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.