لبنان

حدشيت احتفلت بعيد شفيعها وأزاحت السّتارة عن تمثال بطريركها ببركة الرّاعي
الأربعاء 04 أيلول 2019
المصدر: نورنيوز
شارك أمس البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي أبناء بلدة حدشيت فرح عيد القدّيس رومانوس وإزاحة السّتارة عن تمثال البطريرك دانيال الحدشيتيّ.

 

وقد وصل البطريرك الرّاعي إلى بلدة حدشيت يرافقه: المطارنة جوزيف نفاع ومارون العمّار ومطانيوس الخوري، وأمين الدّيوان الخوري خليل عرب وأمين سرّ البطريرك الخوري شربل عبيد، وأعدّ له استقبال من أبناء البلدة المقيمين والمغتربين يتقدّمهم القيّم البطريركيّ الخوري طوني الآغا وكهنة حدشيت: جورج عيد وميلاد الكورة وجورج يرق، ورئيس البلديّة روبير صقر، وأعضاء المجلس البلديّ ورئيس رابطة المخاتير ألكسي فارس، ومخاتير البلدة، ومنسّق القوّات اللّبنانيّة في حدشيت المهندس رامي عيد وحشد من الرّاهبات والكهنة .

وعلى وقع قرع الأجراس والتّرانيم الدّينيّة ونثر الورود والزّغاريد، سار الجميع من كنيسة مار سركيس وباخوس بعد زيارتها من قبل البطريرك إلى كنيسة مار رومانوس، حيث ترأّس الرّاعي الذّبيحة الإلهيّة يعاونه المطران نفّاع والخوري الكورة. وألقى القيّم البطريركيّ الخوري الآغا كلمة رحّب بها بالبطريرك والمطارنة في حدشيت وقال: "غريبٌ في حدشيت اليوم، مميّزٌ ومقدّس. أرى صاحبه ينزل عن عرش مذبحه، يتنقّل ابتهاجًا في ساحات القرية، يُصفّق مع المصفّقين ويهلّل مع المهلّلين. نعم، أرى القدّيس رومانوس فَرِحًا مسرورًا ككلّ فردٍ من أبناء الرّعيّة، يرحّب بحرارة براعي الرُّعاة وبصَحبه الكريم، ويلتمسُ من صاحب الغبطة والنّيافة أن يَنشُر باسمه على أرض حدشيت نِعَمَ الرّبّ والبركات.

أقتَربُ من القدّيس رومانوس بعيده، ألتمس منه حاجة، فيهمس في أذني وأذنِ كلّ حدشيت ويقول: هنيئًا لكم بصاحب الغبطة. هنيئًا لكم بصاحب الابتسامة الدّافئة والفرح المطلق. هنيئًا لكم بصاحب القلب الكبير الّذي حقَّ له، عن جدارة، أن يحتفل بمئويّة إعلان دولة لبنان الكبير...هنيئًا لكم بعهدٍ كرّمَ الحويك، ودعا إلى تطويب الدّويهيّ وقدّس شعبًا صغيرًا ورفعَ على الأكفِّ بطريركه الرّاعي. هنيئًا لكم براعٍ يَتفقّدُ الرّعيّة، يكرِّمُها قبل أن تكرّمَه. يُذكّرُها بأسلاف بطاركةً عِظام، وبزيح ستار التّاريخ عن بطريركٍ من أرضكم فتلتقي كنيسةُ الحاضر بكنيسة الماضي وتَعِدُنا بمستقبلً ميمون...نعم، هنيئًا لنا وللبنان، هنيئًا للشّرق والغرب ببطريركٍ قلبُهُ كنيسة، ولسانُه كتابٌ مقدّس، ومن يديه فَوحُ الطّيب والميرون.

يا صاحب الغبطة، أهلًا بكم على أرضنا، لا، بل أهلًا بنا على أرضكم... حدشيت لكم، بشَيبِها وشبّانِها، حتّى أطفال المذودِ فيها يرتكضون فرحًا ويقولون: من أين لنا أن يأتي إلينا رسول الآب وصورة الإبن ولسانُ الرّوح...

باسم الكبير والصّغير في حدشيت، باسم بركة أرضِها وخلود سماها، باسم البشر والحجر والشّجرـ نرحّب بكم يا كبيرًا بيننا، يرافقكم كبار القوم، مُلتمسين لكم، مع العمر الطّويل، فيضًا من وافرِ صحّة ودفقًا من همّةٍ ونشاطٍ في خدمة الله والإنسان، واذكري يا كنيستنا المارونيّة أنّ من أزاح السّتار يومًا عن تمثال البطريرك الحدشيتيّ، سوف يذكُره ستارُ التّاريخ ويرفعه عاليًا فوق النّجوم والسّحاب".

وبعد تلاوة الإنجيل المقدّس ألقى البطريرك الرّاعي عظة بعنوان "من يواضع نفسه يرفع، ومن يرفع نفسه يواضع" قال فيها: "يدعونا الرّبّ يسوع إلى فضيلة أساسيّة في حياتنا المسيحيّة وهي فضيلة التّواضع وهي تعني أنّ الإنسان لا يريد شيئًا من هذه الدّنيا وأنّ ما يريده هو الله. المتواضع هو الّذي يقف أمام الله كلّ يوم أمام عظمته ويجد أنّه صغيرًا مهما علا شأنه في المجتمع البشريّ. وعندما يرى نفسه خاطئًا ويجد كلّ ما بناه كالغبار وهكذا دواليك...فكما أنّ الصّروح والبيوت وهذه الكنيسة الجميلة تحتاج إلى أساس ترتفع عليه، هكذا حياتنا المسيحيّة صرح بحاجة إلى أساس هو التّواضع. وهكذا يقول لنا الرّبّ اليوم من يواضع نفسه يرفع ومن يرفع نفسه يواضع عند الله .

يسعدنا أن نحتفل معكم اليوم بعيدين عيد شفيع حدشيت العزيزة مار رومانوس الّذي تحبّونه ويرافقكم في حياتكم وقد رفعتم صرح هذه الكنيسة على اسمه علامة إيمانكم وحبّكم الكبير له وتعلّقكم بقدسيّته وشخصيّة القدّيس رومانوس، وقد اختبرتم كم رافقكم في الحياة وكم ساعدكم وفتح أمامكم أبواب النّجاح تحت ىسماء هذا الوطن أو تحت أيّ سماء على وجه الكرة الأرضيّة. وهذا العيد يجمع أبناء حدشيت ليس فقط المقيمين بل أيضًا من يشاركنا عن بعد ويعيش معنا فرحة العيد حيثما هو. خصوصًا وأنّهم بنوا الكنائس حيث هم على اسمه، لكم ولهم جميعًا أقدّم التّهاني بالعيد راجين أن يكون مليئًا بالخير والنّعم والبركات، وأنا أتخيّل كيف تعيشون بطمأنينة لأنّ مار رومانوس هنا يرافقنا حيثما كنّا، ولهذا تحافظون على وحدتكم وإيمانكم وتواصلون جهدكم .أمّا العيد الثّاني فهو أنّنا نرفع السّتارة ونبارك تمثال ابن حدشيت البطريرك الشّهيد دانيال الحدشيتيّ الّذي قدّم شهادته في زمن المماليك من أجل حماية الإيمان الكاثوليكيّ وحماية الأرض اللّبنانيّة بعد الهجوم على هذه المنطقة، وراحوا يخرّبون ويهدمون. وكان مدافعًا أمام شعبه حتّى النّهاية. وأنتم اليوم برفع تمثاله إنّما تجدّدون إيمانكم المسيحيّ وحبّكم للبنان وأرضه، وتجدّدون حضوركم واندفاعكم في سبيل الدّفاع عن إيماننا المسيحيّ في هذا الوطن وعن أرضنا اللّبنانيّة .

بالأمس احتفلنا جميعنا ببداية المئويّة الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير على يد البطريرك العظيم المكرّم الياس الحويّك الّذي قال: "إنّ حلول أوّل أيلول 1920 مع إعلان دولة لبنان الكبير هو خاتمة مسيرة تاريخيّة طويلة عاشها بطاركتنا عبر التّاريخ ووصلت الآن إلى الذّروة" .هذه المسيرة التّاريخية لها محطّات بدأت مع البطريرك الأوّل مار يوحنّا مارون، فدانيال الحدشيتيّ في زمن المماليك فالمكرّم البطريرك إسطفان الدّويهيّ مرورًا بمسيرة طويلة من البطاركة وصولاً إلى البطريرك الحويّك وإعلان دولة لبنان الكبير. نحن نتذوّق كلّ هذا في عيد القدّيس رومانوس الّذي يدعونا إلى التّشبّث بإيماننا وهو الّذي قاوم السّلطة الرّومانيّة الوثنيّة الّتي كانت تدعوه للتّنكّر لإيمانه وأنتم تعلمون أنّ السّلطة الرّومانيّة كانت تبسط سلطتها على كلّ هذه الأرض وكان الدّين الوثنيّ هو دين الدّولة وكان يجب على المسيحيّين أن ينكروا إيمانهم ويقدّموا الذّبائح للأوثان وإلّا يقتلوا. القدّيس رومانوس عاش في الجيل الثّالث في الحقبة الّتي كانت مليئة بآلاف الشّهداء الّذين قال عنهم طورطريانوس "إنّ دم الشّهداء بذار المسيحيّين ففي زمن دمائهم وأوجاعهم وآلامهم ومشاركتهم في آلام المسيح نمت الكنيسة وبعد ثلاثماية سنة من الاضطهاد كانت الحرّيّة للكنيسة سنة 315 مع الملك قسطنطين". وهذا كلّه يعلّمنا أنّ القدّيس رومانوس لو لم يكن رجل التّواضع والاتّكال على الله والّذي لم يعتقد أنّ قوّته من ذاته وبفضل تواضعه توصّل أن يقف بوجه الطّغاة وبرغم كلّ الآلام الّتي أنزلها به ظلّ صامدًا حتّى النّهاية معلنًا إيمانه. ونحن نعيش اليوم زمنًا صعبًا، الإيمان ينحلّ شيئًا فشيئًا عند كثير من النّاس، كثيرون نسوا إنجيلهم وفقدوا معنى يوم الأحد، هجروا كنائسهم وغابوا عن اللّقاء مع الرّبّ في ذبيحته الأسبوعيّة ووليمة جسده ودمه ولهذا السّبب نتراجع ونتفكّك ونتكسّر كلّ يوم أكثر فأكثر. لا يهمّني أن أكون كبيرًا بعين النّاس يهمّني أن أكون كبيرًا بعين الله وأن أكون متواضعًا متجرًدًا لا أبتغي شيئًا لنفسي وأعتبر أنّ كلّ شيء أملكه من قوّة وعلم هو من نبع واحد هو الله. والوثن لم ينته زمنه في زمن الامبراطوريّة الرّومانيّة بل هو متواصل بصورة أخرى اليوم، ثمّة وثن المال، وثن السّلاح، وثن الذّات ووثن الجسد. ويقول الرّبّ حيث يكون كنزكم يكون قلبكم. ولكن للأسف إذا سأل كلّ منّا ذاته كلّ يوم أين قلبي؟ أين اهتمامي؟ تجيب إنّ الكنز ليس الله بل أوثان متنوّعة .

مار رومانوس يدعونا اليوم وابن حدشيت البطريرك مار دانيال الّذي وقف في وجه المعتدين على الإيمان وهكذا كما كتب على إحدى اليافطات "لقد صلّى بالمسبحة وقاوم بالسّيف"، فهو لم يقاوم من أجل مصلحة ذاتيّة بل قدّم نفسه محرقة من أجل لبنان وأرضه، وقاوم من أجل الإيمان المسيحيّ في لبنان. نتأمّل ونحن نقيم هذه الذّبيحة المقدّسة وأعيننا شاخصة إلى القربان ورسم القدّيس رومانوس. وعندما نخرج ونتأمّل وجه البطريرك دانيال الحدشيتيّ أن نتسلّح بالفضيلة الأساسيّة في حياتنا، ألا وهي التّواضع حماية لإيماننا المسيحيّ ولوطننا الحبيب لبنان.

يا ربّ بشفاعة مار رومانوس وصلاته وصلاة مار دانيال الحدشيتيّ، نسألك أن تذكّي فينا فضيلة التّواضع وروح المقاومة حفاظًا على إيماننا المسيحيّ وعلى وطننا لبنان، فنرفع معًا نشيد المجد والتّسبيح للثّالوث القدّوس الآب والابن والرّوح القدس له المجد إلى الأبد، آمين".

وبعد القدّاس، انتقل البطريرك والمشاركون في الذّبيحة الإلهيّة إلى باحة قاعة الرّعية، وأزاح البطريرك الرّاعي ورئيس البلديّة صقر والمختار فارس والكهنة السّتارة عن تمثال البطريرك دانيال الحدشيتيّ، وألقى كلّ من الخوري جورج يرق وجان ساسين والخوري ميلاد الكورة ورئيس جمعيّة حدشيت اكتيفيتز كلمات بالمناسبة حيّوا فيها البطريرك الرّاعي، مؤكّدين على مواقفه الوطنيّة الحكيمة، مشدّدين أنّه خير قائد وراع ليس فقط في لبنان ولكن في أقاصي الّدنيا، ومتضرّعين إلى الله أن يمنحه الصّحّة كي يواصل تثبيت عدالة الله وسلامه، ومثمّنين جهود القيّم البطريركيّ الخوري طوني الآغا في سبيل تعزيز دور لجان الأوقاف في حدشيت.

وردّ البطريرك الرّاعي بكلمة شكر فيها أبناء حدشيت على استقبالهم، ودعاهم إلى التّشبّث دائمًا بالإيمان والتّمثّل بصمود البطريرك الحدشيتيّ في مواجهة كلّ الطّغاة والتّواضع في كلّ مسيرة حياتهم .