لبنان

العبسيّ افتتح لقاء الشّبيبة: تضامنوا، فأنتم قوّة هائلة تستطيع أن تجري التّغيير
الجمعة 09 آب 2019
المصدر: نورنيوز
إنطلق في مركز "لقاء" الرّبوة، صباحًا، لقاء الشّبيبة الملكيّة الكاثوليكيّة في الشّرق الأوسط، تحت عنوان "لك أقول قم"، والّذي يستمرّ ثلاثة أيّام بمشاركة عدد كبير من الشّباب والشّابّات القادمين من مصر، الأردنّ، الكويت، سوريا، فلسطين ولبنان.

 

إفتتح اللّقاء بطريرك الرّوم الملكيّين الكاثوليك يوسف العبسيّ، بحضور وزير الدّولة لشؤون رئاسة الجمهوريّة سليم جريصاتي ممثّلاً رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، النّائب إدي معلوف، الوزير السّابق اللّواء أشرف ريفي، المديرة العامّة في مجلس النّوّاب كريستين زعتر، مطران اللّاتين سيزار أسايان، مطران الأرمن الكاثوليك جورج أسادوريان، ومطارنة الرّوم الكاثوليك: ياسر عيّاش (الأردنّ)، عصام درويش (زحلة)، إيلي بشارة حدّاد (صيدا)، إدوار ضاهر (طرابلس)، الياس شقّور (الجليل سابقًا)، رئيس الدّيوان البطريركيّ الأب رامي واكيم، رجل الأعمال طلال مقدسي، المهندس ربيع عاصي وعدد من الكهنة والرّهبان والرّاهبات وشخصيّات.

ثمّ تُليت صلاة الافتتاح مع لجنة اللّيتورجيا، فكلمة للمنسّقة العامّة للجنة الشّبيبة البطريركيّة سينتيا غريب أشارت فيها إلى أنّ هذا اللّقاء هو لإحياء الهويّة الرّوميّة الملكيّة الكاثوليكيّة، برعاية "بيّ الشّبيبة" البطريرك يوسف العبسيّ، لافتة إلى أنّ "الشّبيبة هي حاضر الكنيسة ومستقبلها، هذه الكنيسة الحيّة سنكون رسلها وشهادة صالحة لقيامة يسوع المسيح".
بعدها ألقى كلمة المرشد العامّ للجنة الشّبيبة الأرشمندريت كميل ملحم كلمة شكر فيها للبطريرك العبسيّ وقال نقلاً عن "الوكالة الوطنيّة للإعلام": "همّنا في هذا اللّقاء أن تستعيد الشّبيبة دورها الكنسيّ الجامع لإبراز هويّتنا وتراثنا الرّوميّ الملكيّ الكاثوليكيّ، لنصبح كما أطلق علينا قداسة البابا الرّاحل القدّيس يوحنّا بولس الثّاني "جسر عبور وانفتاح بين جميع الطّوائف"، مشيرًا إلى أنّ "لجنة الشّبيبة تأسّست لهذا الهدف ولتكون بمثابة الخميرة الأولى الّتي ستخمر العجين ببركة الله وأبوّتكم، وهذا المؤتمر سيكون الشّرارة الأولى الّتي ستنير دروب حياتنا المتعثّرة على هذه الأرض المشرقيّة فندرك أنّ الرّجاء هو التزام وثبات".
وكانت كلمة للبطريرك العبسيّ جاء فيها: "أحيّيكم وأرحّب بكم إلى هذا اللّقاء الّذي طالما صبت إليه قلوبنا والّذي تعقِدونه اليوم في هذه الدّار البطريركيّة، في هذا البيت الأبويّ الّذي ازدان وأزهر واكتملت فرحته اليوم بحضوركم. فالكرمة جمالها أغصانها وعناقيدها، والزّيتونة فروعها وزيتونها. وأنتم الأغصان والعناقيد والفروع والزّيتون تملأون البيت وتعطّرونه وتجمّلونه. فأهلاً وسهلاً بكم.
أتيتم من بلاد متنوّعة، لكن أتيتم من كنيسة واحدة تضمّكم. أتيتم حاملين أعلامًا متنوّعة، لكن أتيتم حاملين راية واحدة تجمعكم، راية يسوع المسيح. عبرتم حدودًا برّيّة وجوّيّة، لكن عبرتم أوّلاً حدود قلوبكم وعقولكم، حدود عواطفكم وأفكاركم. سلكتم الطّريق الملكيّة، طريق الرّبّ يسوع الّذي أسقط بصليبه كلّ حائط للانقسام والعداوة وأحلّ السّلام في ما بيننا.
أصوات كثيرة تدوّي في حياتكم، تتجاذبكم، تتنازعكم، من هنا ومن هناك، تريحكم، تتعبكم، لكنِ اليوم صوت واحد دوّى، صوت يسوع، ينادي كلّ واحد منكم بمفرده: "لك أقول قم". فقمتم للحال وانطلقتم، لأنّكم شعرتم أنّ لهذا الصّوت نغمة عذبة وأنّ له مغزى ومعنى، وأنّ له صدى وبعدًا، وأنّه يسقي عطش قلوبكم. أجل يسوع المسيح هو الّذي دعاكم وقد لبّيتم دعوته.
الأنظار إليكم اليوم موجّهة. هل ينجحون؟ أجل، ستنجحون. وقد نجحتم. فما أتيتم لتخفقوا وترسبوا. الشّباب لا يعرف الإخفاق واليأس. صارحوا بعضكم بعضًا وانفتحوا بعضكم على بعض. أروا بعضكم بعضًا أحلامكم وتطلّعاتكم وأطلعوا بعضكم بعضًا على هواجسكم وهمومكم. أعلنوا للجميع خصوصيّاتكم الشّبابيّة، ما أجملها وما أروعها. تضامنوا، فأنتم قوّة هائلة تستطيع أن تجري التّغيير، أن تصنع عنصرة جديدة بالرّوح القدس السّاكن فيكم. أنظروا إلى هذا المشهد الواعد المليء بالقوّة والجمال والغنى الّذي تشكّلونه الآن هنا. لا تنسحبوا من السّاحة تحت أيّ عذر كان. يسوع يحبّكم، يسوع يريدكم.
خرجتم من نمط حياتكم اليوميّة وأتيتم لتقضوا معًا خبرة جديدة حلوة في فرح اللّقاء والمشاركة. وقد أتى للقائكم بالفرح أيضًا رعاة كنائسكم وخدّامها من أساقفة ورهبان وراهبات وكذلك علمانيّون منكم، الّذين أصرّوا على مشاركتكم، مدلّلين باهتمامهم بكم على الأهمّيّة الّتي لكم في عيونهم. لقد حرّكتم فينا شيئًا ما دفعنا إلى الخروج إليكم بقلب واحد وإرادة واحدة وحماسة واحدة. وكيف لا؟ فهل تنسى الأمّ مرضعها؟ أنتم أغلى ما لدينا.
حضوركم اليوم ليس من أجلكم فقط. إنّه شهادة لكلّ شابّ وشابّة من أيّ دين ومن أي ّبلد. إنّ الشّباب هم جسر العبور والتّلاقي بين النّاس والشّعوب والأديان. وإنّ الشّباب هم الّذين يحقّقون آمال البشريّة ويتقدّمون بها إلى الأمام. مدّوا أياديكم إلى شباب العالم واشبكوها بأياديهم من أجل عالم يعمّ في أرجائه الفرح والرّجاء والسّلام. لا تقوقع ولا انكماش على أنفسكم ولا رفض للغير والمختلف. هذا اللّقاء نريده الخطوة الأولى على الطّريق. لا تقعدنكم الثّغرات والتّقصيرات ولا تضعفنكم الانتقادات. لقد وضعتم يدكم على المحراث. ومن يفعل لا ينظر إلى الوراء.
كلّ هذا الّذي ترونه، وكلّ الّذي سوف ترونه، هو من صنع الشّباب. لقد أظهروا أنّهم قادرون على تحمّل المسؤوليّة ولعب الدّور المطلوب منهم بجدارة وشجاعة وأريحيّة. هذا اللّقاء هو من صنع الشّباب للشّباب في مرحلة عنوانها الشّباب لن تتوقّف. وقد وردتنا رسائل ومكالمات تطلب أن نستمرّ متمنّية لو كانت معنا وترافقنا بالصّلاة. فالشّكر لله على الشّباب. الشّكر لله عليكم. والشّكر خصوصًا لكم جميعًا أيّها الشّبّان والشّابّات الأحبّاء لأنّكم سمعتم صوت الرّبّ يسوع "لك أقول قم" وقمتم وأتيتم وحرّكتم شبابًا آخرين حتّى في أبعدَ من هذا المكان.
الشّكر لفخامة الرّئيس ميشال عون على كلمته ممثّلاً بمعالي الوزير سليم جريصاتي. شكرًا لإخوتي السّادة الأساقفة والآباء العامّين والأمّهات العامّات على مشاركتهم. شكرًا للّجنة التّحضير على عملها الجبّار. شكرًا لكلّ من ساعد وقدّم من ماله أو تعبه أو وقته أو فكره أو محبّته أو تشجيعه، أفرادًا ومؤسّساتٍ وجمعيّات.
أهلاً وسهلاً من جديد. أتمنّى لكم لقاء ناجحًا. والّذي قال لكم قوموا يبارك لقاءكم، يرافقكم ويحفظكم، يحفظ ذهابكم وإيابكم من الآن وإلى الأبد".
وفي الختام، تلا جريصاتي كلمة الرّئيس عون وجاء فيها: "لقد ورثنا عن أجدادنا وطنًا جميلاً ولكن منهكًا يحتاج إلى الكثير من الجهد والعمل على مختلف الأصعدة، ونحن نسعى بكلّ ما أوتينا لكي نسلّمكم إيّاه بصورة أفضل لتتابعوا أنتم بدوركم ويستلم أبناؤكم وأحفادكم ما هو أجمل وأرقى.
هي سنة الطّبيعة والحياة، أن يتّكئ كلّ جيل على الدّعائم الّتي يرسيها من سبقه، ويرتكز على خبرة الأجيال السّابقة، يطوّرها ويغذّيها ويغنيها بتجربته بعلوم ومعارف جديدة ويزيد مدماكًا جديدًا إلى الصّرح... هكذا تطوّرت البشريّة وهكذا تراكمت المعرفة والعلم والثّقافة وهكذا وصل الإنسان إلى ما وصل إليه من اختراعات وإبداعات.
نعم، أنتم مؤهّلون أن تمتلكوا معرفة أكبر من تلك الّتي لدينا، كما سبق وامتلكتنا نحن معرفة أكبر من تلك الّتي كانت لدى آبائنا، فالمعرفة في تطوّر دائم وفي سباق مستمرّ مع الزّمن، ولكن المبادئ والقيم والمثل فهي الثّابتة وهي الّتي في خطر، فاحذروا لأنّها ملح المجتمع، وفي سقوطها سقوطه.
إنّ البشر جميعهم يتساوون في الولادة وفي الموت ويتمايزون ويختلفون في عيش الحياة، يبدأ التّمايز في الشّكل واللّون، في بصمة العين وفي بصمة الإصبع وبصمة الصّوت، ويبدأ الاختلاف في بصمة الفكر وفي الرّأي وفي الشّعور وفي الانتماء. وهذا الاختلاف هو أكثر من حقّ، هو عصب الحياة وعصب التّطوّر لأنّه فرادة الإنسان، لولاه لما تقدّمت الإنسانيّة ولما عرفنا أيّ إبداع، تخيّلوا للحظة لو أنّ البشر جميعًا، منذ الإنسان الأوّل مستنسخون فكريًّا، يحملون الرّأي ذاته والتّفكير ذاته، هل كانت البشريّة خرجت من الكهوف؟
إنّ الاختلاف إذًا نعمة وليس نقمة، والمهمّ هو طريقة إدارة الاختلاف وكيفيّة التّعاطي معه، فجمع الفارق بيننا يغنينا ويدفعنا إلى الأمام في جميع الميادين، أمّا إذا جنحنا إلى الخلاف فعندها نطرح فارقنا ونتقوقع، فنخسر ونفتقر ونتراجع.
الإدارة الصّحيحة لحقّ الاختلاف تعني أوّلا أن نعترف به، أيّ الاعتراف بحقّ الآخر أن يكون موجودًا ومختلفًا، بلونه وانتمائه وتفكيره ومعتقده ورأيه... هذا هو المجتمع الإنسانيّ الّذي ننتمي إليه جميعًا.
إنّ حرّيّة المعتقد الدّينيّ والسّياسيّ مقدّسة، وتذكّروا دائمًا أنّ علاقة الإنسان مع خالقه علاقة عموديّة مباشرة، لا يحقّ لأحد التّدخّل بها، وتذكّروا أيضًا أنّ فكر الإنسان حرّ يحلّق به كيفما شاء، وهو وحده يتحمّل مسؤوليّته في الخطأ وفي الصّواب.
وبعد قبول حقّ الاختلاف تأتي حرّيّة التّعبير، وهي أيضًا مقدّسة ولكن سقفها الحقيقة وحدودها الأخلاق، فلكلّ إنسان الحقّ بالتّعبير عن ذاته، عن رأيه، عن معتقداته والسّعي لإقناع الآخرين بها بالحجّة والمنطق، ولكن إطلاق الشّائعات والأكاذيب أو اعتماد لغة الشّتم وبذاءة الكلام لا يندرجان ضمن أيّ حرّيّة لأنّهما اعتداء على حقوق الآخر وعلى كرامته وسمعته ومصداقيّته.
هذه هي مداميك المجتمع المتضامن والسّور الّذي يحمي الوطن، تذكّروها جيّدًا: حقّ الاختلاف، حرّيّة المعتقد والرّأي، حرّيّة التّعبير، والتّجربة علّمتنا أنّها ثوابت لا يجب أن تمسّ، وعندما جنحنا في مرحلة إلى المسّ بها كدنا نخسر الوطن.
أملي أن تتمكّنوا أنتم من ترسيخها أكثر فتنجحون حيث فشلنا".