لبنان

الرّاعي: بفضل الرّوح القدس الّذي يعلّمنا كلّ شيء، ندرك حقيقة الله والإنسان والتّاريخ
الأحد 23 حزيران 2019
المصدر: نورنيوز
ترأّس الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي القدّاس الإلهيّ في بكركي. وألقى عظة، تحت عنوان "الرّوح القدس الّذي يرسله الآب بإسمي يعلّمكم كلّ شيء" (يو26:14)، جاء فيها:

"زمن العنصرة الّذي نعيشه هو زمن الرّوح القدس العامل في حياة الكنيسة والمؤمنين: فالرّوح القدس يسكب المحبّة في القلوب، ويعلّم الحقيقة، ويعطي سلام المسيح (راجع يو14: 26-27). إنّه عطيّة الآب للّذين يحبّون المسيح، حافظين وصاياه (راجع يو21:14)، على ما وعد الرّبّ يسوع: "الرّوح القدس، الّذي  يرسله الآب باسمي، هو يعلّمكم كلّ شيء، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم" (يو26:14).
يُسعدنا أن نحتفل معًا بهذه اللّيتورجيا الإلهيّة ونحن نُحْيي عيد الأب. وفي المناسبة نذكر في هذه الذّبيحة المقدّسة من كان أبًا بامتياز أبانا المثلَّث الرّحمة البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير. ففي هذا الأحد، بعد مرور أربعين يومًا على وفاته نقدّم هذه الذّبيحة المقدَّسة لراحة نفسه، بحضور عائلته وأنسبائه الّذين نجدّد لهم التّعازي، ونخصّ بالذّكر شقيقتَيه وأولاد المرحومات شقيقاته وأولاد خاله وعائلاتهم. وإذ نلتمس له المشاهدة السّعيدة في السّماء، نرجو أن يكون لنا ولكنيستنا ووطننا خير شفيع لدى العرش الإلهيّ.
ينظّم مكتب راعويّة الزّواج والعائلة في الدّائرة البطريركيّة، مشكورًا، هذا الاحتفال بمناسبة عيد الأبّ تكريمًا لعائلاتٍ تميّزت بأربع ميزات: كثرة الإنجاب، تخطّي التّحدّيات، احتضان كبارنا وخدمتهم، المصالحة والثّبات على وحدة العائلة. أودّ أن أوجّه كلمة شكر وتقدير لمنسّقي المكتب وهم الأباتي سمعان أبو عبدو، الّذي أشكرُه على الكلمة في افتتاح هذه اللّيتورجيا الإلهيّة، والزّوجين سليم وريتا الخوري، وكلّ المعاونِين، بل جميع المشاركين في إحياء هذا الاحتفال بأنواعٍ مختلفة. وأوجّهُ تحيّة تقديرٍ لسيادة أخينا المطران منير خيرالله، رئيس اللّجنة الأسقفيّة للعائلة والحياة، مع الشّكر على تشّجيعه الدّائم وتوجيهه لهذا المكتب.
ويطيب لي أن أُحَيّي كلّ أبٍ، أكان حاضرًا معنا أو في أيّ مكان، وأهنّئه بعيده، ونذكره في صلاتنا كي يبقى على رأس عائلته وعمود سقفها الثّابت والمتين. نصلّي لراحة نفوس الآباء الّذين انتقلوا إلى بيت الآب. ونذكر بصلاتنا كلّ الّذين حلّوا مكانهم كأولياء أمر القاصرين اليتامى وسواهم. صحيحٌ أنّ العيد هو في الأساس عيد الأب بالدّم، لكنّه أيضًا عيد الآباء الرّوحيّين، من أساقفة وكهنة، الّذين يعملون على نقل الحياة الإلهيّة إلى المؤمنين والمؤمنات، ويجسّدون أبوّة الله وأمومة الكنيسة. من أجلهم جميعًا، الآباء الدّمويّين والرّوحيّين، نلتمس فيض النّعم الإلهيّة، لكي ينهضوا بمسؤوليّة السّهر على أولادهم وتربيتهم بالتّعاون الوثيق مع زوجاتهم على المستوى العائليّ، ومع السّلطة الكنسيّة وتوجيهاتها وتعاليمها على المستوى الكنسيّ والرّاعويّ.
وتُشبَّه بِدَورِ الأب مسؤوليّةُ الّذين يتولَّون خدمة الشّأن العامّ في الدّولة، المسمّاة أُمًّا بالمعنى المجازيّ. وعلى رأس المسؤولين جميعًا رئيس البلاد الّذي هو بمثابة أبٍ لجميع المواطنين. بهذه الرّوح ينبغي أن تُمارس السّلطة السّياسيّة الّتي من شأنها السّهر على سلامتهم وتأمين الخير العامّ الّذي منه خير كلّ مواطنٍ وخير جميع المواطنين، ولاسيّما ذوي الحالات والاحتياجات الخاصّة من يتامى ومعوّقين ومسنّين وسواهم.
من أجل القيام بهذه المسؤوليّة بمفهومها الحقيقيّ، من واجب الجماعة السّياسيّة الأوّل تأمين النّهوض الاقتصاديّ بكلّ قطاعاته، وفيض المالّ العامّ في الخزينة، وحمايته من الهدر والسّرقة والنّهب. فلأجْلِ هذه الغاية على السّلطة الدّستوريّة إجراء التّعيينات على أنواعها بروح الميثاق الوطنيّ وقاعدة المشاركة بالمناصفة والتّوازن بين المسيحيّين والمسلمين، على قاعدة الكفاءة والنّظافة وفقًا للأصول المتّبَعة أساسًا، بحيث تُتاح لكلّ مواطنٍ كفوء ومواطِنة كفوئة إمكانيّة المشاركة في خدمة الشّأن العامّ، من دون شرط الانتماء إلى حزبٍ أو تكتّلٍ نيابيّ منعًا للتّدخّل السّياسيّ في الشّأن الإداريّ القضائيّ. وإلّا شوّهنا هويّة لبنان الثّقافيّة التّعدّديّة، ونموذجيّته ورسالته.
ومن هذا المفهوم لمسؤوليّاتها ندعو السّلطات السّياسيّةَ المعنيّة للمحافظة على المؤسّسات الاجتماعيّة التي تُعنى بهم. إنّ تقصير الدّولة في دعم هذه المؤسّسات للقيام بواجباتها تجاه هؤلاء المواطنين إخلالٌ ضميريٌّ وتاريخيٌّ كبير. ذلك أنّ المؤسّسات الاجتماعيّة تقوم مَقام الدّولة نفسها في هذا الواجب من الخدمة الّذي هو في الأساس واجب الدّولة. فلا لأنّ الدّولة مقصّرةٌ في إنشاء مثل هذه المؤسّسات الاجتماعيّة، ولا لأنّها تُهملُها وتتقاعص عن أداء مستحقّاتها الماليّة، يحقّ لها أن تحجب المالّ عنها، وتقحمها على إقفال أبوابها، ورمي هؤلاء الإخوة والأخوات المواطنين في الشّارع، فيما هم يشكّلون كرامة الوطن. هذا الخطأ التّاريخيّ الكبير يشكّل وصمة عارّ في جبين الدّولة، إذا ما بقيت ذرّةٌ من الحياء. أمّا القول بوجود مؤسّساتٍ وهميّة، فنحن ندعو الدّولة مجدّدًا لإغلاقها وإقفال أبوابها وحلّ التّعاقد معها.
ومن جهّةٍ أخرى، إنّ الجماعة السّياسيّة عندنا مسؤولةٌ عن مساعدة الوالدين في السّهر على أولادهم الشّباب، الّذين هم مستقبل الوطن، وفي حمايتهم من أخطار المخدّرات والتّدخين والكحول ومرض الإيدز والإنترنت والقمار والانتحار، وحوادث السّير، وفي استكشاف أسباب هذه المخاطر وإزالتها. إنّني أوجّه تحيّة شكرٍ وتقديرٍ للمؤسّسات والأشخاص الّذين يضحّون من أجل حماية شبابنا من هذه الأخطار وقد زارونا الأسبوع الماضي وقدّموا لنا تقارير عن نشاطاتهم وهي: شعبة مكافحة المخدّرات في إدارة الجمارك؛ البرنامج الوطنيّ للحدّ من التّدخين في وزارة الصّحّة العامّة مع النّصوص القانونيّة الّتي تحتاج إلى تطبيق؛ مركز معالجة الإدمان على المخدّرات في مستشفى ضهر الباشق الجامعيّ الحكوميّ، فهو يُعنى بالعلاج الصّحّيّ لتنظيف جسم المدمِن من رواسب المخدّرات، ما يعني أنّ المدمن شخصٌ مريضٌ ومهمَّشٌ بحاجةٍ إلى علاجٍ ومتابعة، وبالتّالي عدم النّظر إليه "كمجرم" ينبغي ملاحقته ومعاقبته؛ مؤسّسة جاد- شبيبة ضدّ المخدّرات ومركزها الثّقافيّ للتّوعية والتّدريب من أخطار المؤثّرات العقليّة، وقدّمَت تقريرَين عن أبرز القضايا المتعلّقة بموضوع المخدّرات والفساد، وعن الانتحار وأسبابه وطرق الوقاية منه؛ مراكز المعالجة النّفسيّة الّتي تكشف أوّلاً أسباب الإدمان، ثمّ آثاره النّفسيّة فالتّأهيل، وواجب الدّولة في منع إنتشار الموادّ المخدِّرة ومكافحة سوق المخدّرات وتجّارها ومروّجيها، ومعالجة ضحاياها لا معاقبتهم؛ مراكز التّوعية على أخطار الهيرويين الإلكترونيّ المعروف بالإدمان الافتراضيّ على الإنترنت؛ تجمّع الشّباب Yasa للتّوعية والحدّ من حوادث السّير؛ نقابة الصّيادلة.
وتبقى مشكلة الدّواء والمريض والصّيدليّ. فمن واجب المسؤولين في الدّولة إعادة الاعتماد على مفاهيم الدّواء والمريض والصّيدليّ، وحمايتها من الفلتان والاستغلال والاتّجار، بالتّعاون مع نقابة الصّيادلة، من أجل حماية الانسان اللّبنانيّ في سلامة صحّته.
الوالدان والمجتمع والكنيسة والدّولة مدعوّون لإعلان حالة طوارئ دائمة من أجل حماية شبابنا اللّبنانيّ من الأخطار الّتي ذكرناها. فالشّباب هم طاقة الأوطان ومستقبلها. ولذا وطنٌ من دون شباب وطنٌ من دون مستقبل. صحيحٌ القول: "إذا أردتَ أن تقضي على مقدّرات شعب عطِّل عقل شبابه وطاقته الإنتاجيّة، وإذا أردتَ أن تقضي على تاريخ أمّة، فخدِّرْ شبابَها".
بالعودة إلى الإنجيل، نلتمس في هذه الذّبيحة الإلهيّة عطيّة الرّوح القدس، لكي يسكب في قلوبنا المحبّة، وفي عقولنا المعرفة، وفي داخلنا السّلام. بفضل المحبّة نحفظ كلام المسيح ونصبح سُكنى الله: "من يحبُّني يحفظ كلمتي. أبي يحبّه، أنا أحبّه، وإليه نأتي وعنده نجعل لنا منزلاً" (يو23:14). وبفضل أنوار الرّوح القدس الّذي "يعلّمنا كلّ شيء، ندرك حقيقة الله والإنسان والتّاريخ". أمّا سلام المسيح الذي يَسكبه الرّوح القدس في داخلنا، فينفي منها "الاضّطراب والخوف" (يو27:14)، ويجعلنا "صانعي سلام".
بهذه المواهب الثّلاث نرفع نشيد المجد والتّسبيح والشّكر إلى الله-المحبّة، الآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".