لبنان

الرّاعي: ذبيحة القدّاس هي مدرسة الحياة التي تعلّم الحبّ المعطاء والتّفاني في الخدمة
الأحد 28 نيسان 2019
المصدر: نورنيوز
  • الرّاعي:  ذبيحة القدّاس هي مدرسة الحياة التي تعلّم الحبّ المعطاء والتّفاني في الخدمة
  • الرّاعي:  ذبيحة القدّاس هي مدرسة الحياة التي تعلّم الحبّ المعطاء والتّفاني في الخدمة
  • الرّاعي:  ذبيحة القدّاس هي مدرسة الحياة التي تعلّم الحبّ المعطاء والتّفاني في الخدمة
لمناسبة عيد الرّحمة الإلهيّة، ترأّس البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرّاعي قدّاس الأحد الجديد الذي يلي أحد القيامة، في بكركي؛ وألقى خلاله عظةً تحت عنوان "وقف يسوع في الوسط وأراهم يديه وجنبه"(يو20:20)؛ قال فيها:

"كما فعل الرّبّ يسوع في مساء أحد قيامته، فعل في الأحد الذي تلاه: "فوقف وسط التّلاميذ، والأبواب موصدة، وأراهم علامات صلبه وموته". ولمّا رآه توما، الذي لم يصدّق بشرى قيامته، لقوّة صدمة الصّلب عليه، هتف: "ربّي وإلهي." إنّه هتاف الجماعة المؤمنة التي تلتئم في كلّ أحد حول ذبيحة القدّاس، معربةً عن إيمانها بالمسيح الرّبّ والإله الحاضر تحت شكلَي الخبز والخمر، ذبيحةَ فداء، ووليمةً روحيّة تُقدِّم خبزًا سماويًّا للأرواح.

 

يسعدنا أن نحتفل معًا بهذه اللّيتورجيا الإلهيّة في هذا الأحد الذي يلي أحد القيامة، ويسمّى "الأحد الجديد"، لأنّه بداية حياة جديدة فينا تنبع من سرّ موت المسيح وقيامته، على ما شهد يوحنّا الرّسول في سفر الرّؤيا، قائلًا: "بالمسيح كلّ شيء صار جديدًا"(رؤ6:21). كانت العادة القديمة أن تُمنح المعموديّة للموعوظين الذين تهيّأوا لقبولها في هذا الأحد، فيلبسون الرّداء الأبيض، رمز ثوب النّعمة والحياة الجديدة.

ونحتفل في هذا اليوم بعيد الرّحمة الإلهيّة الذي شاءه الرّبّ يسوع، وكشفه للرّاهبة البولونيّة القدّيسة فوستينا في ظهورَين سنة 1931 و1933. وحدّده القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني للاحتفال به في الأحد الجديد، عندما أعلن قداسة الرّاهبة فوستينا في 30 نيسان 2000. أمّا ظهور الرّبّ يسوع فكان بملء قامته، مع شعاعَين أبيض وأحمر ينبعان من قلبه، من مكان الحربة التي طعنه بها أحد الجنود وهو ميت على الصّليب، إذ جرى منه ماء ودماء (يو34:19). فدلّ الشّعاع الأبيض إلى ماء المعموديّة، والأحمر إلى دمّ القربان. وفي هذا الظّهور يبارك يسوع بيده اليمنى، فيما باليسرى يدلّ إلى قلبه. وطلب من الرّاهبة أن ترسم لوحة هذا الظّهور وتكتب في أسفلها: "يا يسوع إنّي أثق بك"، وتنشر عبادتها في العالم كلّه. إنّ ذبيحة القدّاس هي تجلّي الرّحمة الإلهيّة بامتياز.

 

فيطيب لي أن أرحّب بكم جميعًا، وبخاصّة بجامعة آل كرم الكرام، رئيسًا وهيئة ادارية وأعضاء، وبالوفد القادم من بولونيا في زيارة تقوية. أني أجدّد للجميع التّهاني والّتمنّيات بالفصح المجيد. ومعًا نرفع الصّلاة إلى الله، ملتمسين من رحمته اللّامتناهية، أن يخرج وطننا لبنان من معاناته الاقتصاديّة والماليّة والمعيشيّة، والمنطقة المشرقيّة من حالة الحروب والنّزاعات، ويعيد جميع النّازحين واللّاجئين إلى أوطانهم، حفاظًا على هويّتهم وثقافتهم وحضارتهم، فلا يظلّون عبئًا ثقيلًا على لبنان وسواه من البلدان المستضيفة.

بقيامته من الموت أصبح الرّبّ يسوع حاضرًا دائمًا في الكنيسة، ووسط الجماعة الملتئمة بإسمه، ولاسيّما عند الاحتفال بذبيحة الإفخارستيّا. هو حاضر في الوسط بكلامه الذي يُتلى على الجماعة؛ وبذبيحته غير الدّمويّة بواسطة الخبز والخمر، المحوَّلَين إلى جسده ودمه؛ وبوليمة جسده ودمه للحياة الجديدة.

نستطيع القول أنّ هذا التّرائي للتّلاميذ هو قدّاس المسيح لأنّه حاضرٌ فيه بكلامه، وبعلامات ذبيحته الدّمويّة لفدائنا في يديه وصدره، وبعطيّة سلامه لجماعة التّلاميذ، وبهبة الإيمان لتوما: "كن مؤمنًا، لا غير مؤمن". فما إن رأى توما علامات الصّلب في جسد يسوع، حتّى آمن بألوهته، وهتف: "ربّي وإلهي" (يو28:20). في هذا الحدث، جعل الرّبّ يسوع قدّاس الأحد ينبوع سلام وإيمان للجماعة المشتركة فيه:"طوبى للذين لم يروني وآمنوا" (يو29:20).

 

إنّ قدّاس المسيح، بكلّ ثماره، هو إيّاه قدّاس الكنيسة، الذي هو في آن تذكار لذبيحة يسوع على الصّليب لفداء الجنس البشريّ وتحقيق لها الآن وهنا بفعل الرّوح القدس، ومشاركة في وليمة جسده ودمه. لم يبقَ الحدث الخلاصيّ، بموت المسيح وقيامته، محصورًا ضمن حدود الماضي، بل يتواصل في جميع الأزمنة، ويشارك في أبديّة الله.

 

 ذبيحة القدّاس هي مدرسة الحياة التي تعلّم الحبّ المعطاء، والتّفاني في الخدمة، وتربّي عليها وعلى سائر الفضائل الرّوحيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة. كلّنا، في العائلة والمجتمع والكنيسة والدّولة، بحاجة إلى المشاركة في قدّاس الأحد، والقدّاس اليوميّ إذا أمكن، لكي تمتلئ قلوبنا محبّة، وتولد فينا الحميّة للخدمة والعطاء من دون مقابل.

 

المشاركة في قدّاس الأحد بإيمان ووعي تولّد فينا روح المسؤوليّة في إتمام واجب الحالة بكلّ وجوهها. أعني واجب الأزواج والوالدين، والأساقفة والكهنة والمكرَّسين، وأصحاب السّلطة المدنيّة، سياسيّةً كانت أم إداريّة أم قضائيّة أم عسكريّة.

 

لا بدّ في هذا السّياق من دعوة الحكومة والمجلس النيابيّ للإسراع في إقرار الموازنة مع الإجراءات اللّازمة التي تختصّ بضبط أبواب هدر المال العام، ولملمة أموال الدّولة من المرافق والمرافئ والجمارك والضّرائب والرّسوم والاشتراكات والأملاك البحريّة، والتّقشّف في الإنفاق والأسفار، والحدّ من التّهرّب الضّريبيّ بتحسين تنظيم الضّريبة والجباية من كلّ المناطق ومن الجميع.

 

ربّما تفكّر الحكومة، في إطار التّقشّف، بعدم دعم المدارس المجّانيّة وبالتّالي ربما إلغائها. هذا التّفكير والإجراء المحتمَل غير مقبولَين. فكيف تعالج الدّولة شؤون اليتامى وذوي الاحتياجات والحالات الخاصّة، من دون رعاية متخصّصة تؤمّنها هذه المدارس التي تقوم مقام الدّولة في خدمة هؤلاء ومحبّتهم؟ ويقولون أنّ بعضًا من هذه المدارس وهميّ. فيجب، والحالة هذه، على الدّولة أن تتقصّى الأمر وتفعل أو تبطل التّعاقد مع المدارس الوهميّة أو تقفلها. نحن ككنيسة من جهتنا، لا نغطّي أيّة مخالفة، إذا ما وجدت. فلا ينسينّ أحدٌ أنّ ثقافة شعبنا تُقاس بدرجة اهتمامه بذوي الحالات والاحتياجات الخاصّة.

 

وفيما يختصّ بالقطاع التّربويّ يجب فصل التّشريع في القطاع الخاصّ عن التّشريع في القطاع العام، وإلّا يجب على الدّولة أن تتحمّل ما تشرّعه في القطاع الخاصّ، ذلك أنّ التّشريع يستدعي التّمويل.

 

وفيما ندعو إلى التّقشّف والحدّ من هدر المال العام، إنّا ندعو في الوقت عينه إلى الاستثمار في مجالات التّعليم والرّعاية الصّحّيّة والبنى التّحتيّة.

وينبغي أن يكون الشّغل الشّاغل للحكومة العمل الجدّيّ على تخفيض عجز الموازنة لعام 2019، وللمجلس النّيابيّ تحديث القوانين من أجل تسريع معاملات الاستثمار ومنع الرّشوات عليها.

 

زمن الفصح يدعونا جميعًا للعبور إلى الجديد في الحياة والتّفكير والعمل؛ وعيد الرّحمة الإلهيّة يدعونا للامتلاء من المشاعر الإنسانيّة والحنان والإحساس مع الآخر في حاجته. نصلّي كي يمنحنا الله هاتين النّعمتين، فنجعل بهما كلّ شيء جديدًا، لتعمّ فرحة العيد جميع النّاس. ونرفع معًا نشيد التّسبيح والشّكر للثّالوث القدّوس، الآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.المسيح قام! حقًّا قام!"