لبنان

مطر يفتتح مؤتمر جامعة الحكمة السّنويّ "الأزمات الرّاهنة ودور الجامعة"
الخميس 04 نيسان 2019
المصدر: نورنيوز
ألقى راعي أبرشيّة بيروت المارونيّة ولي الحكمة المطران بولس مطر في افتتاح مؤتمر جامعة الحكمة السّنويّ "الأزمات الرّاهنة ودور الجامعة"، أشار فيها بحسب "الوكالة الوطنيّة للإعلام"، إلى "أربع ثقافات يعرفها العالم ويتأثّر بها ويخبرها كينبوع أزمات أو كينبوع حياة. الأولى هي ثقافة القوّة وهي تعنى بتمجيد الأقوياء، وإبقاء الضّعفاء في مرتبة دونيّة وهي تحاول كلّها أن تفرض نفسها وقوّتها على الآخرين وبقوّة السّلاح؟ أفلم نر مثل هذه المشاهد على أرض سوريا وفي الشّرق الأوسط عامّة حيث قرارات الأمم المتّحدة المبنيّة على الحقّ والسّلام تضرب عرض الحائط وباسم قوّة الأقوياء وحدهم وليس بموجب أيّ حق أو عرف إنسانيّ مقبول؟

أمّا الثّقافة الثّانية فهي ثقافة المصالح الّتي ترفع إلى صفوف المقدّسات والمهمّ أن تربح بأيّة وسيلة كانت والعدالة غائبة عن مثل هذه الثّقافة الّتي ينتج عنها أزمات قاسية لأنّ لا مقياس فيها للحقّ للعدل وللإخاء وتحمل معها كلّ فرص الاعتداء على مصالح الآخرين وعلى الحقيقة الّتي تقدر وحدها على جمع النّاس بأمان وسلام. أمّا الثّقافة الثّالثة فهي ثقافة اللّهو وقطف ثمار اللّذة وكأنّ الحياة كلّها تدور حول الوصول لهذه الثّمار. إنّها ثقافة تسبّب الأزمات وأكبرها أزمة ضياع المعنى للإنسان ولوجوده ولتضحياته. والثّقافة رابعة فهي ثقافة التّضامن بين البشر والتّعاون معًا في مواجهة الأحداث والفتن وهذه الثّقافة تعطي الإنسانيّة فرص المحافظة على القيم الرّوحيّة والإنسانيّة وتخطّي العداوات عبر التّلاقي الخيّر والتّفاهم والحوار. لهذا نرى أنّ الوثيقة الّتي وقّعها مؤخّرًا قداسة البابا فرنسيس وسماحة الدّكتور أحمد الطّيّب شيخ الأزهر الشّريف ناتجة عن التّلاقي لا بين شخصين وحسب بل وبين دينين وثقافتين أراد مسؤولان كبيران فيهما دفع الإنسانيّة نحو صلحها وسلامها. فأعلنا أنّ النّاس هم إخوة في ما بينهم ضمن الإنسانيّة الواحدة.
إنّ الحوار بين هذه الثّقافات ولاسيّما بين الثّقافتين المسيحيّة والإسلاميّة قد تعثر في التّاريخ بعد مرور زمن البدايات الّذي كان أكثر تسامحًا ممّا آلت إليه الأمور في القرون اللّاحقة، ووصولاً إلى مشارف عصرنا الحاضر. إنتظرنا الحلول المطلوبة إزاء هذه الأزمنة الثّقافيّة الكبرى إلى أن بدأت تطلّ على العالم المسيحيّ وعلى العالم الإسلاميّ معًا بعد إعلان نتائج المجمع الفاتيكانيّ الثّاني ونشر نصوصه حول الثّقافة بالذّات وحول علاقة المسيحيّة مع الإسلام وحول الحرّيّة الدّينيّة الّتي أكّد المجمع حقّ النّاس بها، إلى أيّ دين كان انتماؤهم، وبما فيه الدّين المسيحيّ نفسه.
لقد عالج المجمع الفاتيكانيّ الثّاني موضوع الثّقافات بحدّ ذاته أوّلاً. فأكّد أنّ المسيحيّة الّتي عبرت عن نفسها أوّلاً عبر ثقافتها التّاريخيّة قد أقرّت خلال انعقاده أنّها قادرة على أن تعبّر عن ذاتها وعن عقائدها عبر ثقافات أخرى، شرقًا وغربًا. فالمسيح لا يتبنّى ثقافة واحدة وهو ابن الإنسان ونصير الإنسانيّة كلّها من دون استثناء. وإن كان للشّعوب الحقّ بمعرفة المسيح فإن على الكنيسة واجبًا بأن توصل هذه المعرفة إليهم وعبر ثقافاتهم بالذّات. فوضعت على بساط البحث من أجل ذلك قضايا (الانثقاف والتّثاقف المتبادل) ولو بقي عالقًا في الوجدان أنّ الثّقافة الّتي عبرت المسيحيّة فيها أوّلاً عن نفسها، تبقى هي المرجع الأساس لأنّ خبرة روحيّة قد اكتنزت فيها ولا يمكن التّخلّي عنها دون خسارة لا تعوّض.
بقيت المسيحيّة بعد المجمع كما قبله ثابتة في تأكيدها بأنّ الوحي الإلهيّ قد بلغ ذروته بتجسّد كلمة الله الأزليّة بيسوع المسيح. فهو الّذي كشف لنا عن الله أسراره وعن الإيمان كلّ الحقيقة الّتي تلقّاها من الآب. إلّا أن المسيحيّة بقيت أيضًا على إيمانها بأنّ في كلّ الأديان قبسًا من الحقيقة وأنّ الإنسان مفطور على التّفتيش عن الله بضميره الحيّ، وأنّه لكونه مخلوق على صورة الله ومثاله يسعى بكلّ طاقاته إلى التّفتيش عن المثال الّذي طبعت فيه صورته منذ ولادته، وهي ملازمة له حتّى الرّمق الأخير. فكما يقول الإسلام إنّ في الإنجيل "هدى ونور"، هكذا تقول المسيحيّة بأنّ المسلمين يعبدون الله عبادة حقّة وأنّهم يؤمنون به وبثوابه وعقابه وباليوم الآخر ويحفظون في قلوبهم وفي عقيدتهم قيمًا سامية تسهم في بناء الإنسانيّة وتغنيها. وهم أيضًا يكرّمون مريم العذراء أمّ المسيح إلى حدّ أنّ القرآن يدعوها "سيّدة نساء العالمين". وكم يسعدنا في لبنان بأن تكون دولتنا قد قرّرت اعتبار عيد "بشارة مريم" عيدًا وطنيًّا لجميع اللّبنانيّين، لكي نقف معًا في مثل هذا اليوم في مناجاة تصعد عن قلوب المسيحيّين والمسلمين الملتقين على قلب واحد وفي مكان واحد.
لقد أقرّ المجمع بأنّ للمؤمنين من كلّ الأديان الحقّ بأن يعتنقوا الدّين الّذي يريدون، وذلك باسم الحرّيّة المعطاة من الله إلى كلّ إنسان. فلا تكفير للآخر ولا استباحة لحياته بل إقرار بأنّ ما من أحد هو حسيب ولا رقيب لغيره مكان الله، ولا اعتبار لأيّ إنسان أو لأيّ مرجع بأنّه يصل إلى مرتبة ظلّ الله على الأرض.
كما يسعدنا أن نجد عند المسيحيين انفتاحا على إخوانهم المسلمين، فإننا نجد مثيله أيضا عند المسلمين الذين يرون في الانفتاح على المسيحيّين جزءًا من قناعاتهم الدّينيّة بالذّات. إنّ هذا الموقف يعتنقه المسلمون الّذين يعودون إلى كتابهم وإلى منطلقات إيمانهم الأولى كما وردت في القرآن، وفي التّقليد الإسلاميّ السّابق لمرحلة التّشنّج الثّقافيّ المؤدّي إلى رفض الآخر كأخ أو كمواطن مكتمل الحقوق. فنذكر في هذا المجال وبكلّ فخر الدّستور الأوّل للدّولة الإسلاميّة كما أراده النّبيّ العربيّ منذ البدايات. وقد جاء فيه أن المسيحيّين هم جزء من أمّة المسلمين. إنّه قول له كلّ القوّة في الإدراك الإسلاميّ لحقائق الأمور. فالمسيحيّون ليسوا في الإسلام مجرّد أقلّيّات تؤمّن لها الحماية، لأنّهم على ذمته. بل هم من أهل الكتاب، ولا علاقة لهذه التّسمية بقلّة عددهم، أيّ أنّهم في صلب الإيمان الإسلاميّ ولن يكونوا يومًا غرباء عن المسلمين وبخاصّة على هذه الأرض المشرقيّة المشتركة فيما بينهم جميعًا.
واستنادًا إلى ذلك، رفض المتنوّرون من إخواننا المسلمين كلّ ما جرى على يد داعش في الموصل وفي سهل نينوى على أرض العراق من اعتداءات، حيث قتل المسيحيّون وطردوا من ديارهم دون أن يكونوا على إخوانهم المسلمين من المعتدين. وعلى هذا الأساس تدخل أهل الخير من إخواننا المسلمين، وكان انعقاد لأربع مؤتمرات في القاهرة برئاسة سماحة الدّكتور أحمد الطّيّب شيخ الأزهر وقد صدر عنها بيانات أفصحت لأوّل مرّة بأنّ المسيحيّين والمسلمين هم أخوة واعتبرت أيضًا أنّ هؤلاء المعتدين على المسيحيّين قد خرجوا على الإسلام ويجب منعهم من إكمال هذه الأعمال المسيئة للإسلام قبل المسيحيّة. وقد شارك قداسة البابا فرنسيس في المؤتمر الأخير للأزهر وكانت له كلمة مباركة عاد وكرّرها في أبو ظبي بحضور الشّيخ أحمد الطّيّب نفسه، ووقّع وإيّاه وثيقة من أهمّ الوثائق المشتركة في الزّمن الرّاهن، لا بل هي أهمّها لأنّها تدعو إلى تطوّر ثقافيّ عند عامّة الشّعب عن طريق المدارس والجامعات لنصل جميعًا إلى هذا الموقف الأخويّ الجامع، فيكتمل عندنا الحوار الّذي سيفيد حتمًا من هذه الثّقافة الإسلاميّة المنفتحة الّتي استندت إلى أسس البدايات الإسلاميّة نفسها وإلى القيم الإسلاميّة الكريمة والّتي سيصاغ في ظلّها وفي ظلّ المسيحيّة الحقّة مستقبل أكثر إشراقًا للإنسانيّة كلّها.
أتمنّى على رئيس جامعتنا الحكمة أن تفتتح في تشرين القادم كرسيًّا للحوار الدّينيّ بين المسيحيّة والإسلام. والواجب عليها أن تكمل هذا التّراث الثّقافيّ الأصيل لتتابع رسالتها في هذا الوطن العزيز لبنان، وهي رسالة الأخوّة الإسلاميّة المسيحيّة لا في الإنسانيّة وحسب بل أيضًا في الوطنيّة، وفي صياغة مستقبل زاهر للمنطقة وللعالم كلّه".