لبنان

ساكو: من دون مسيحيّي الشّرق، تفقد المسيحيّة جذورها
السبت 02 آذار 2019
المصدر: نورنيوز
إختُتم في دار سيّدة لبنان- فتقا، مؤتمر "الخير في إطار بيئة تعدّديّة" الذي نظّمته كاريتاس على مستوى دوليّ لمدة ثلاثة أيّام منذ 27 شباط/فبراير حتّى 1 آذار 2019. وللمناسبة، ألقى البطريرك الكردينال مار لويس روفائيل ساكو، الكلمة الرّئيسيّة ليوم الاختتام، والتي جاء فيها بحسب عشتار:

"أودُّ في البداية أن أتقدّم بالشّكر والامتنان إلى منظّمة كاريتاس الدّوليّة، على خدمة المحبّة والشّهادة المسيحيّة التي تقدّمها للجميع من دون استثناء، والتي تجسّد تمامًا "اللّه محبّة" على مثال المسيح. وشكرًا لها على اهتمامها بمعونة المهجّرين العراقيّين في داخل العراق وخارجه، في لبنان والأردن وتركيا.

باختصار شديد، إنّ الوضع الحالي للمسيحيّين في الشّرق صعب، ويبدو أنّ وجودهم التّاريخي مُهدّد، إن لم يتغيّر شيء إيجابيّ على أرض الواقع.

فما يعيشه المسيحيّون اليوم من مضايقات واضطهادات، ليس إلّا نتيجة إفرازات الماضي بسبب تشظّي المكوّن المسيحيّ من جهة، وظهور الفكر الإسلاميّ المتشدّد والحروب المتكرّرة، التي خلقتها سياسات الدّول الكبرى من جهة أخرى.

تاريخيًّا، ومنذ بداية القرن الماضي،  لم يأت الاستعمار بمشروع سياسيّ، يؤسّس دولة المواطنة والقانون والعدالة والمساواة، ولم يأخذ بنظر الاعتبار عدم تجانس شعوب المنطقة، ثقافيًّا ودينيًّا وإثنيًّا، فشكَّل حكومات على مزاجه، قابلة أن تنفجر في أيّ وقت. على سبيل المثال لا الحصر، عشنا في العراق حروبًا متتالية: حرب الخليج الأولى (1980 – 1988) بين العراق وإيران، ذات المليون شهيد، وحرب الخليج الثّانية عام 1990، وما خلّفته من مآسٍ، و13 سنة من الحصار الاقتصاديّ، ثمّ سقوط النّظام عام 2003  تحت شعار ما يُسمّى "بالفوضى الخلّاقة"  واعتماد الطّائفيّة، والمحاصصة في إدارة الدّولة، وتردّي الجانب الأمنيّ والاقتصاديّ، وظهور تنظيم الدّولة الإسلاميّة "داعش" وتهجير المسيحيّين من الموصل وبلدات سهل نينوى. كلّ هذه العوامل أدّت إلى تناقص أعداد المسيحيّين الذي كان نحو مليون ونصف،  قبل عدّة سنوات من سقوط النّظام. أمّا اليوم فيكاد يصل إلى نصف المليون.

السّبب الآخر هو التّطرّف الدّينيّ الذي مورس ضدّ المسيحيّين أبان سقوط الإمبراطورية العثمانية في "سفر برلك". وتَجدّدَ اليوم مع تنظيمي القاعدة وداعش. ونخشى ظهور "نسخة" جديدة لداعش بسبب تفشّي البطالة والفقر والبؤس والأميّة وتدهور الخدمات والفساد في مفاصل الدّولة.

لكن ثمّة سبب آخر لتراجع وضعنا، ألا وهو تفكُّكنا كمسيحيّين، وانكفاؤنا على ذاتنا ككنائس وإثنيّات، وعيشنا في قلق وخوف، واللّجوء إلى الهجرة، والظّن أنّ الغرب يحمينا. لكن تبيّن من خلال الخبرة، أنّ الغرب لا يحمي إلّا مصالحه؛ وبأنّ ما يروّجونه في الإعلام عن الحرّيّة والدّيمقراطيّة، مجرّد شعارات.

ونحن الآن "ضحيّة" السّياسات الخارجيّة التي تبحث عن تجارة الأسلحة واستغلال مصادر بلادنا الطّبيعيّة كالنّفط مثلاً، وتخلق صراعات وحروبًا من أجل الحصول على مكاسب اقتصاديّة، بعيدًا عن أيّة اعتبارات لقيم حقوق الإنسان وكرامته. هذا ما اختبرناه في العراق، ولربّما أيضًا موجود في لبنان وسوريا وفلسطين واليمن وليبيا وأماكن أخرى.

وعليه فإنّنا اليوم في منعطف دقيق وخطير، بسبب استمرار بؤر التّوتر في المنطقة؛ والفكر الديني المتشدّد (إرهاب) الذي يؤثّر سلبًا على ممارسة التّسامح والعيش المشترك، الأزمات الاقتصاديّة؛ وضعف بناء مؤسّسات الدّولة تأسيسًا سليمًا. كلٍ هذه الأسباب تؤثّر على وجود المسيحيّين وحضورهم.

لذا يتحتّم علينا أن نُفكّر بطريقة جديدة، ونتّخذ خطوات شجاعة وملموسة، على أرض الواقع للحفاظ على وجودنا وعيشنا المشترك وتاريخنا معًا، كمسيحيّين ومسلمين، من خلال ترسيخ قيم المواطنة الكاملة والحاضنة للتّنوّع، والعدالة والمساواة والاحترام، وتعزيز منظومة التّسامح والتّضامن، وضمان شراكة حقيقيّة لجميع المكوّنات في العمليّة السّياسيّة على قاعدة الكفاءة، وليس على أساس الانتماء القَبَليّ والطّائفيّ، وتفكيك التّشدّد والشّحن الطّائفيّ والفرقة والخلاف والعنف. فهذا هو أملنا الوحيد لبناء مجتمع أكثر سلامًا.

من المؤمل أن يكون لتوقيع البابا فرنسيس على وثيقة "الأخوّة الإنسانيّة"، مع إمام مشيَخة الأزهر، الشّيخ أحمد الطّيّب، أثناء زيارته لدولة الإمارات العربيّة المتّحدة في 3-5 شباط 2019، تأثيرًا إيجابيًّا على "تجفيف" التّطرّف من أجل المضي قدمًا في الحوار حول الأخوّة الإنسانيّة والسّلام والاستقرار.

المسيحيّون اليوم، بحاجة إلى تجاوز حاجز الأقلّيّة والخوف والاتّكاليّة، وتوحيد الصّف بإرادة واحدة، لبلورة رؤية واضحة لبقائهم في بلدانهم وتواصلهم فيما بينهم ككنائس، وتعميق الثّقة وتعزيز حضورهم وشهادتهم في هذا الشّرق، الذي هو مهد المسيحيّة. فمن دون مسيحيّي الشّرق، تفقد المسيحيّة جذورها.

لذا بات بروز رؤية مسيحيّة مشرقيّة موحّدة، ضرورة مصيريّة، لها استراتيجيّة وآليّة تفعيل على أرض الواقع. كما يجب أن نعرف ما هي نظرتنا لأنفسنا، وماذا نريد أن نحقّقه مع الآخرين. لربما مفيدٌ أن تتشكّل من كوادر علمانيّة مقتدرة مؤمنة بالحوار الشّجاع والبنّاء ما يمكن أن يعدّ حالة طوارئ، ومن ثم "خليّة أزمة" للنّهوض بالمهام التّالية:

القيام بحملة تعبويّة لإحياء الحوار المسيحيّ–المسيحيّ، على مبادئ الإنجيل ومتطلّبات الحاضر؛ وبالتّالي تنشيط التّنشئة والتّربية المسكونيّة، وتنمية العلاقات والشّراكة مع الكنائس الكاثوليكيّة (الفاتيكان) والأرثوذكسيّة والإنجيليّة منها. ومن المفيد أن تشهد السّاحة المسيحيّة تناميًا ملحوظًا في تطوّر العلاقات والتّعاون لمواجهة كلّ هذه التّحدّيات؛ وكذلك الشّركة مع مجلس الكنائس العالميّ ومجلس كنائس الشّرق الأوسط، والمؤسّسات المسيحيّة في العالم، مثل منظّمة كاريتاس الدّوليّة، وعون الكنيسة المتألّمة...

لعلّ ثمّة ضرورة أخرى، ألا وهي قيام الجهات ذات العلاقة على مستوى مسيحيّي الشّرق الأوسط بالعمل بشكل جدّي على توحيد تاريخ الاحتفال بعيد الفصح كخطوة إيجابيّة في هذا الاتّجاه.

تعزيز الحوار المسيحيّ– الإسلاميّ الصّادق والجريء، لمواجهة التّطرّف والإرهاب، حقنًا للدّماء من خلال نشر ثقافة الحرّيّة، والعقل، واحترام الاختلاف، وإشاعة قيَم التّسامح، والاعتراف بالآخر وقبوله واحترام حقوقه، بغضّ النّظر عن انتمائه الدّينيّ والمذهبيّ الإيديولوجيّ والإثنيّ والجندر، وتوطيد ثقافة السّلام والاستقرار.

وهذا يتطلّب أيضًا العمل على تقاسم السّلطة والمطالبة بتغيير الدّساتير والمناهج والقوانين القديمة والمستهلكة، كما في قانون الأحوال الشّخصيّة. إنّنا نحتاج الى بناء دولة مدنيّة تحمي الكلّ، وتحترم الدّيانات كافة في إطار قاسم مشترك من الحقوق والواجبات. وهنا أودُّ أن أنوّه بأنّ للآيات والآحاديث في كلّ الدّيانات أسبابها وظروفها، التي لا بدّ من أن تؤخذ بعين الاعتبار، فبعضها يبطل العمل به بعد أن تزول ظروفه ومبرّراته، وبعضها كان علاجًا لحالات معيّنة، في ذلك الزّمان.

تنشيط لاهوت الرّجاء لدى المهجّرين والمهاجرين المسيحيّين؛ فالظّلم عابر، وخلق مساحة مشتركة للسّلام، والطّمأنينة والاستقرار وفرح البقاء والشّهادة. المسيحيّون حاملوا رسالة. وهنا أنوّه بدور الكنيسة الرّياديّ في احتضان أبنائها والدّفاع عنهم، والقيام بالتّعبئة من خلال عمل راعويّ ملائم لوضعنا، وإسهام أوقافنا الكنسيّة في خلق مشاريع للشّباب الذين يعانون من البطالة والفقر، كتوفير السّكن ودعم الدّراسة. فثراء الأوقاف الكنسيّة جاء من سخاء الشّعب المؤمن، وعليه فمن الخطيئة تزامنه مع جوع وحاجة شرائح كبيرة من هذا الشّعب المؤمن. وبهذا الصّدد أيضًا، لا بدّ لمجتمعنا من نقلة نوعيّة سبقنا إليها الغرب المسيحيّ بأشواط، وهي أن نشجّع استثمار العنصر النّسويّ ومواهبه في خدمة الكنيسة والمجتمع.

أعتقد أنّنا بمجملنا بحاجة إلى مراجعة تفكيرنا ورؤيتنا ونمط عملنا. فالكنائس هي لخدمة النّاس، لاسيّما الفقراء كما يدعو الإنجيل، ويؤكّد البابا فرنسيس ذلك مرارًا وتكرارًا. ومن أجل هذا، ينبغي العمل الجدّيّ مع كافة الفرقاء المعنيين محليًّا وعالميًّا لإيجاد بدائل واقعيّة وممكنة، لمعالجة كارثة الحاجة والفقر، وللحدّ من الهجرة المخيفة للمسيحيّين من الشّرق.

وأخيرًا، من المؤسف جدًّا أن نرى كنائسنا الشّرقيّة قد فقدت البُعد التّبشيريّ، والحسّ الإرساليّ بسبب وضعها الجيو-سياسيّ، والضّغوطات والاضطهادات، فغَدتْ كنائس قوميّة (كلدانيّة وأشوريّة وسريانيّة وأرمنيّة). اليوم، وأمام الأصوليّات المتشدّدة، واستعمالنا الغالب للّغة العربيّة، بات ضروريًّا، لكي نقدّم لإخوتنا المسلمين عرضًا لإيماننا المسيحيّ بلغة عربيّة مفهومة ومصطلحات جديدة معاصرة، غير الكلاسيكيّة المعهودة. وإعداد برامج خاصّة بذلك لرفع مُلابسات – اتّهامات الكفر والشّرك والتّحريف، ويمكننا الاستفادة من الأدب المسيحيّ العربيّ؛ أذكر على سبيل المثال استعمال مصطلح "الصّفات الذّاتيّة" بدل لفظة "أقنوم"."