لبنان

المطران عوده: لن ينقذنا إلاّ الإيمانُ بالله!
الأربعاء 02 كانون ثاني 2019
المصدر: نورنيوز
ترأّس متروبوليت وبيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران الياس عوده، صباح الثّلاثاء، القدّاس الإلهيّ في ذكرى ختانة يسوع وتذكار باسيليوس الكبير ورأس السّنة، في كاتدرائية القدّيس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل المقدّس ألقى عوده العظة التّالية:

 

"في هذا اليوم الأوّل من السّنة الجديدة أتمنّى لكم جميعًا عامًا مبارَكًا بحضور الله فيه وفي قلوبكم، عامًا يحملُ لكم الصّحّةَ والخيرَ والأمان، كما أتمنّى أن يَنْعَمَ لبنانُنا الحبيب بالاستقرار وبأيّامٍ بيضاءَ واعدة، اشتقنا جميعًا أن نعيشَها.

 

كما تعلمون، إنّ بدايةَ السّنةِ الكنسيّة تكون في اليومِ الأوّل من شهر أيلول، أمّا في الأوّل من كانون الثّاني فتعيّدُ الكنيسةُ لختانةِ الرّبّ يسوع بالجسد ولقدّيسٍ عظيمٍ هو القدّيس باسيليوس الكبير، رئيسِ أساقفة قيصريّة كبادوكية.

 

سمعنا في الرّسالة الّتي تُليت اليوم: "أنظروا أن لا يسلبَكم أحدٌ بالفلسفة والغرور الباطل حسب تقليد النّاس، على مقتضى أركان العالم لا على مقتضى المسيح".

 

قدّيسُنا الّذي نعيّدُ له اليوم إبنٌ لعائلةٍ تعبقُ بالقداسة "على مقتضى المسيح". أمّه القدّيسة أماليا ربّت أولادها على محبّة الله واتّباع وصاياه، فخرج من كنفها ثلاثةُ أبناء أساقفة هم القدّيس باسيليوس وأخواه القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص وبطرس أسقف سبسطيّة. أمّا ابنتها القدّيسة مكرينا فقد رافقت أمَّها في حياة النّسك والقداسة. والقدّيسون لا يعاشرون إلّا القدّيسين، لذا كان أقرب الأصدقاء إلى القدّيس باسيليوس القدّيس غريغوريوس اللّاهوتيّ.

 

هذه الأسماء عدّدتُها لأقول إنّ جوَّ القداسة لا يُنشئُ إلاّ قديسين، ومن يعيشُ في الغرورِ الباطلِ والخطيئةِ على أنواعها يكونُ بعيدًا كلَّ البعد عن القداسة ولا تتجلّى فيه ثمارُ الرّوح.

 

في أيّامنا نحن نفتقد إلى القداسة، وإلى عائلاتٍ تربّي بحسب مقتضى المسيح لتنشئ قدّيسين. فعددُ العائلات المفكَكَة يتضاعف، والمشاكلُ الّتي تواجهُ العائلات تساهم في تفكّكها لأنّ الاعتمادَ ليس على الله بل على المادّة، على المال والسّلطة والمركز وما شابه. ألا تلاحظون قلّةَ الأولاد في الكنائس؟ ألا تلاحظون أنّ بعضَ الأطفال الّذين يقدّمُهم أهلُهم كي يتناولوا جسدَ المسيح ودمَه يخافون ويصرخون؟ هذا لأنّهم يفتقدون الصّلاة في بيوتهم ولم يعتادوا على معاشرة المسيح ورؤية أيقونته وارتياد بيته.

 

هذا تقصيرٌ من الأهل. فالولدُ الّذي لا يتعلّق بالمسيح منذ الطّفولة لا ينشأ على القداسة وعلى حياة الفضيلة، لأنّ لا قداسة من دون الله الّذي قال: "إنّي أنا الرّبُّ إلهكُم فتتقدّسون وتكونون قدّيسين لأنّي أنا قدّوس" (لا 11: 44). وإن لم يتربَّ الإنسان على القداسة منذ الطّفولة لا يمكنه أن يكون صالحًا في حياته في البيت وفي المدرسة وفي الجامعة وفي العمل أو حيثما كان، ولا يصبح مواطنًا صالحًا ومسؤولًا شريفًا بعيدًا عن الفساد وكلّ الآفات الّتي تضرب مجتمعنا.

 

نلاحظ في إنجيل اليوم أنّ الصّبيّ يسوع كان "ينمو ويتقوى بالرّوح، ممتلئًا حكمةً، وكانت نعمةُ الله عليه". نعمةُ الله ضروريةٌ من أجل النّموّ السّليم لأنّه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله". واللهُ يدعونا إلى الخلاص وينادينا قائلًا "تعالوا لأنّ كلَّ شيء قد أُعدّ" (لو 14: 17). وما الّذي أعدّه لنا اللهُ؟ إنّها الغبطةُ السّماويةُ والملكوتُ الأبديّ وتلك الخيرات الّتي لم ترها عينٌ ولم تسمعْ بها أذن ولم تخطرْ على بال إنسان" (1 كو 2: 9).

 

مشكلةُ الإنسان أنّ ضعفَ جسده وغرورَ العالم وفلسفَته ومجدَه الباطل تصدّه وتمنعه عن إتمامِ مشيئة الله وتقبُّلِ النِّعمَة الإلهيّة.

 

العالمُ أجمع بعيدٌ عن الله وعن تدبيره الخلاصيّ. الإنسانُ المعاصر أصبح أكثر أنانيّةً وأشدَّ مادّيّةً وتعلّقًا بالأمور الآنيّة الزّائفة، الّتي لا تؤدّي إلى خلاص النّفس بل إلى هلاكها. لم يعِ الإنسانُ بعد أنّ المالَ وسيلةٌ أعطيتْ لنا لا غايةٌ نلهث وراءها. لم يدركْ إنسانُ اليوم أنّ السّلطةَ بابٌ للخدمة لا للاستعباد، وأنّ المراكزَ مهما علا شأنُها تبقى مجالًا للعطاءِ بفرحٍ لا للأخذِ بنهمٍ وجشع. مؤسفٌ أنّ الإنسانَ أصبحَ بعيدًا عن الحياةِ مع الله بُعدَ الأرض عن السّماء.

 

يقول القدّيس غريغوريوس اللّاهوتيّ، صديق القدّيس باسيليوس الكبير: "عندما استخرج النّاسُ الذّهبَ والفضَّةَ والأحجارَ الثّمينةَ من الأرض، وعندما صاروا يصنعون الملابسَ ناعمةً أكثر ممّا يلزم، وعندما حصلوا على الكثير من الأمور الأُخرى من مثل هذه، والّتي هي أسبابُ الحروبِ والثّوراتِ والأنظمةِ المستبدّة، غرقوا في شكلٍ سخيف من الازدراء. لذلك، هم لا يُظهرون أيَّ عطفٍ على أيٍّ من إخوتهم البشر البائسين، ولا يريدون أن يعطوا من أموالهم الزّائدة لتوفير ضروريّات الحياة للآخرين. أيُّ قسوة هي هذه! أيُّ فظاظة! إنّهم حتّى لا يفتكرون بأنّ الفقرَ والغنى والحرّيّةَ والعبوديّةَ وغيرَها لم تظهرْ كلُّها في الجنس البشريّ إلاّ بعد السّقوط، مثل الأمراض الّتي تتجلّى جنبًا إلى جنب مع الشّرّ وهي في الواقع تعبيرٌ عن هذا الأخير...".

 

في بداية السّنة تضعُ الكنيسةُ أمامنا سيرةَ القدّيس باسيليوس الكبير لتعلّمنا أوّلًا أنّ البيتَ الصّالحَ ينشئ أولادًا صالحين. ولتعلّمنا أيضًا أنّ لا شيء يقف حائلًا بين المسيحيّ ومسيحه. فقدّيسنا الّذي أنشأ مدينته الباسيليّة العظيمة الّتي تضمّنت أماكنَ لعلاجِ المرضى وإراحةِ المسافرين وإعالةِ الفقراء وتثقيفِ النّاس، لم يَدَعْ أيَّ صعوبة تقف في وجه تحقيق هدفه النّبيل، لأنّ عينيه كانتا شاخصتين إلى الفادي يسوع وحده، فلم يتلهَّ بأيّ شيء، وهو القائل: "إنّ إجازةَ ارتكاب الخطايا باتت وسع الأرض، والّذين وصلوا إلى مناصبهم بالمحاباة يردّون لسادتهم الجميلَ بغضّ الطّرف عن الخطايا والموبقات الّتي يرتكبونها. الحكمُ بالحقّ مات. كلٌّ يتبعُ نزواتِ قلبه. تخطّى الشّرُّ الحدود". كأنّه يتكلّم عنّا وعن حياتنا. فقد طغت الشّرورُ على حياةِ البشر إلى درجةٍ أعمتْ عيونَهم عن الحق، وأغلقتْ قلوبَهم عن الخير والمحبّة، وأبعدتْ عقولَهم عن كلِّ حكمةٍ ووعي.

 

التّحدّي الكبير أمام الإنسان المسيحيّ هو أن يكون مسيحيًّا حقًّا أو لا يكون. أن يشهدَ للمسيح أو لولاة هذا العالم وأسياده. لقد اختارنا اللهُ لنكون ممثّلين للمسيح على الأرض، وفي ضوء هذا الحقّ يجب أن نعيش كما يحقّ للاسم "مسيحيّ". هذا يعني أن يكون كلٌّ منّا متواضعًا، صبورًا، لطيفًا، وديعًا، متفهّمًا، مسالمًا، محبًّا للجميع.

 

شرقُنا غارقٌ في الحروب والدّماء. شعوبُنا ضحيّةُ النّزاعات والانقسامات الّتي مصدرُها حبُّ السّلطة والمال. الأقوياءُ يستقوون بالسّلطة ويتسلّطون على ثرواتِ البلادِ والشّعوب، والضّعفاءُ يتزلّفون ويستَعبدون أو يضيعون. إلى أين نحن صائرون؟ لن ينقذنا إلاّ الإيمانُ بالله، ودفءُ المحبّةِ والعائلة، والبُعدُ عن الجشعِ والشّراهةِ والرّذيلةِ والفساد. والمؤسفُ أنّ تعبيرَ محاربة الفساد قد أُفرغ من معناه لكثرة تكراره من قِبَل الجميع. فإذا أراد الجميعُ مكافحةَ الفساد ترى من يكون الفاسدُ؟

 

في لبنان، لتكن بدايةُ هذه السّنة بدايةَ سلوكٍ جديدٍ يرمي بموجبه كلُّ طرف تسلّطَه وكبرياءه ويضع مصلحة الوطن فوق كلّ مصلحة لنعود شعبًا لبنانيًّا واحدًا لا شعوبًا متفرّقة. لتكن مناسبةً للعودة إلى الذّات وفحص الضّمير وسؤالِ النّفس ماذا فعلتُ لوطني وهل أسأتُ إليه؟

 

على الجميع أن يعوا أنّ لبنانَ عطيّةٌ من الله عليهم المحافظةُ عليه لأنّ لا بديلَ عن الوطن. فلنرحمْ وطنَنا وشعبَه ولنرحمْ بيئتَه وطبيعتَه ولنحفظْ دستورَه وقوانينَه من كلِّ تعدٍ وتطاول، وليقمْ كلُّ واحد بعمله على أكمل وجهٍ، وليتركْ الآخرين يقومون بواجباتهم. لتكنْ الأخلاقُ فينا عاليةً والضّميرُ مستيقظًا والإيمانُ حقيقيًّا. وليكن مبدأنا أنّ الخيرَ ينتصرُ على الشّرّ والحقَّ على الباطل والرّجاءَ على اليأس.

 

صلاتُنا أن يكلّلَ الرّبُّ الإله هذا العامّ بسلامه وبركته، وأن يحفظَكم جميعًا ويحفظَ جميعَ أبناء هذا البلد وحكّامَه ومسؤوليه، ويسكن قلوبَهم ويوجّهَ حياتَهم نحو الخير والصّلاح. ونسألُ رئيسَنا المؤتمن على تطبيقِ الدّستور والمحافظةِ على الوطن أن يتّخذ الموقفَ الشّجاعَ بتطبيقِ الدّستور من دون مراعاةِ أحد، وفاءً لقسَمه ومسؤوليّته. كما نأمل من جميع المسؤولينِ المحافظةَ بدورهم على دستور بلادنا وتطبيقه من دون تردّد، لكي ينقذوا الوضع ويجعلوا من بداية هذا العامّ الجديد بدايةَ أملٍ ورجاء في نفوس جميع اللّبنانيّين".