لبنان

الرّاعي: العائلة استعادت قدسيّتها وكرامتها من العائلة المقدّسة
الأحد 30 كانون أول 2018
المصدر: نورنيوز
  • الرّاعي: العائلة استعادت قدسيّتها وكرامتها من العائلة المقدّسة
  • الرّاعي: العائلة استعادت قدسيّتها وكرامتها من العائلة المقدّسة
  • الرّاعي: العائلة استعادت قدسيّتها وكرامتها من العائلة المقدّسة
إحتفالاً بذكرى عيد العائلة المقدّسة، ترأّس البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، قدّاس الأحد في مقرّ البطريركيّة في بكركي؛ بمشاركة المطران سيمون فضّول والوفد المرافق من الأبرشيّة المارونيّة في أفريقيا الغربيّة والوسطى، ومؤسّسة البطريرك صفير الخيريّة. وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى البطريرك الرّاعي عظةً بعنوان "وعاد الصّبيّ يسوع مع أبيه وأمّه إلى النّاصرة، وكان مطيعًا لهما وينمو في القامة والحكمة والنّعمة" (لو52:2)، وقد جاء فيها:

"تحتفل الكنيسة اليوم بعيد العائلة المقدّسة، وبالتّالي عيد العائلة المسيحيّة، وكلّ عائلة تتأسّس حسب شريعة الله الطّبيعيّة والموحاة. وامتدادًا هو عيد العائلة الاجتماعيّة والوطنيّة والبشريّة. نصلّي اليوم من أجل كلّ هذه العائلات لكي تنعم بالوحدة الدّاخليّة والسّعادة والسّلام.

إلتزم الصّبيّ يسوع بالطّاعتين: الطّاعة لأبيه السّماويّ، وقد أعرب عنها لمّا وجده أبواه في الهيكل بعد ضياعه ثلاثة أيّام، وقال لهما جوابًا على وجعهما: "لماذا تطلبانني؟ ألا تعلمان أنّه عليَّ أن أكون في ما هو لأبي؟" (لو 49:2). والطّاعة لأبيه وأمّه في النّاصرة، كما كتب الإنجيليّ لوقا. بهذه الطّاعة في التّربية البيتيّة كان ينمو ويتهيّأ لرسالته الخلاصيّة التي بدأها بعمر ثلاثين سنة. هذا يعني أنّ مستقبل كلّ شخص مرتبط بالتّربية في البيت الوالديّ. فهي بمثابة الأساس لكلّ بناء يعلو، أكان هذا البناء الحياة الشّخصيّة أم العائليّة أم الاجتماعيّة أم الكنسيّة أم الوطنيّة. ذلك أنّ الشّخص البشريّ يطبع محيطه ومسؤوليّته ونشاطه بالقيم الرّوحيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة التي تربّى عليها في بيته.

فالعائلة استعادت قدسيّتها وكرامتها من العائلة المقدّسة. إنّها "كنيسة بيتيّة" مبنيّة على نعمة سرّ الزّواج، وتكوّن جماعة الإيمان والرّجاء والمحبّة، وتتناقلها من جيل إلى جيل. وهي "المدرسة الطّبيعيّة الأولى" التي يتعلّم فيها أفرادها التّفاني وبذل الذّات وقيمة التّعب والحبّ الأصيل والمغفرة، من دفء الحياة العائليّة ومثال الوالدين. وهي "الخليّة الحيّة" التي تؤمّن الأجيال الجديدة للمجتمع بفضل رسالة الإنجاب التي يقبلها الأزواج مع قبول هبة الزواج من الله. ومعروفٌ أنّ لا مستقبل زاهر للوطن من دون أجيال جديدة تنال التّربية السّليمة في العائلة.

علّمت الكنيسة دائمًا أنّ "الوالدِين هم المربّون الأوّلون لأولادهم"، حسب قناعتهم الدّينيّة والخلقيّة وتقاليدهم الثّقافيّة، ولكن على أساس الحقيقة والمحبّة (القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، رسالة إلى العائلات، 16). واجب الأهل هذا يتّصف بأربعة: هو جوهريّ، بسبب علاقته بنقل الحياة البشريّة لأولادهم. فالإنجاب يستوجب التّربية. وهو أساسيّ، بالنّسبة إلى واجبات الوالدين الأخرى، وبالنّسبة إلى مهمّة غيرهم التّربويّة. وهو أوّليّ، بداعي رباط الحبّ الفريد بين الوالدين وأولادهم. ولا بديل أو غنى عنه، فلا يُفوَّض بالمطلق إلى غيرهم، ولا ينتزعه منهم أحد (راجع الإرشاد الرّسوليّ للقدّيس يوحنّا بولس الثّاني: في وظائف العائلة المسيحيّة، 26).

كلّ هذا الكلام عن العائلة الدّمويّة الصّغيرة ينطبق قياسًا على العائلة الاجتماعيّة والوطنيّة الأكبر. فما يقع من واجب على الأزواج والوالدين بالنّسبة لأولادهم، يقع هو إيّاه واجب على المسؤولين المدنيّين، من سياسيّين وإداريّين وتربويّين وقضائيّين تجاه المواطنين. فخدمة الشّأن العام، على تنوّعها تختصّ جوهريًّا بالمواطنين من أجل تأمين جميع حقوقهم الأساسيّة، وتختصّ بهؤلاء من أجل القيام بما عليهم من واجبات عامّة تجاه المجتمع والدّولة، وواجبات شخصيّة تختصّ بالتّنمية الذّاتيّة "قامة" و"حكمة" و"نعمة".

إنّ المسؤولين عندنا اليوم ليس فقط يهملون واجب تربية المواطنين على المواطنة من خلال أدائهم وتأمين ما يعود لهم من حقوق أساسيّة، بل على العكس يربّونهم على الولاء للمذهب والحزب و"الزّعيم" وصاحب النّفوذ، وعلى مخالفة القانون والعدالة ويحمونهم بكلّ قواهم؛ ويربّونهم على عدم احترام السّلطة العامّة في الدّولة ومهابتها إذ يعلّمونهم التّجرّؤ على الإساءة والاستخفاف والتّلطّي وراء الطّائفة والمذهب والاستقواء بالحزب و"بالزّعيم". وهكذا يستعملون السّلطة للهدم لا للبناء. هذا ما أفقد الدّولة هيبتها، وسهّل استباحة قوانينها ومخالفتها بدم بارد. وهذه هي نتيجة عدم التّربية على المواطنة والولاء للوطن وجعله فوق كلّ اعتبار.

ونسأل: أيّة تربيةٍ تقدّمها لشبابنا سياسة هدّامة تعرقل وتعطّل حاليًّا تأليف الحكومة، وعاديًّا عمل الوزارات والإدارات العامّة بما يستشري فيها من تعاطٍ كيديّ مذهبيّ مع من هم من مذهب آخر، وفساد، وسلب لمال الخزينة وهدره، ومعاشات لمئات من الأشخاص الوهميّين، ومصاريف على مؤسّسات وهميّة، كما تعطّل عمل مؤسّسات الرّقابة بتعطيل مقرّراتها وأوامرها استقواءً بقوّةٍ ما؟ هل يدركون أنّهم بتعطيل النّهوض الاقتصاديّ، يتسبّبون بإقفال مئات الشّركات والمؤسّسات التّجاريّة والصّناعيّة وسواها، ويرمون عائلات في حالة البطالة والعوز، مع عدم الاكتراث لثلث الشّعب اللّبنانيّ الجائع والمحروم من أبسط مقوّمات العيش، والعاطل عن العمل والانتاج.

لقد ثار الشّعب وعبّر عن غضبه ورفضه لمثل هذه السّياسة الهدّامة في مظاهرات متتالية محقّة وعادلة. فلا يحقّ للمسؤولين أن يصمّوا آذانهم عن أنين الشّعب في مطالبه الحياتيّة. لذلك نطالب مع غيرنا بحكومة مصغّرة من أشخاص ذوي اختصاص ومفهوم سليم للسّياسة وحياديّين، يعملون أوّلاً على إجراء الإصلاحات في الهيكليّات والقطاعات وفق الآليّة التي وضعها "مؤتمر سيدر" الذي التأم في باريس في نيسان الماضي، وقد مضى عليه تسعة أشهر، ويوظّفون الأحد عشر مليار دولار ونصفًا في مشاريع اقتصاديّة منتجة. ويعمل فخامة رئيس الجمهوريّة على بناء الوحدة الوطنيّة الحقيقيّة بين مختلف الكتل النيابيّة حول طاولة حوار. أمّا القول بتأليف "حكومة وحدة وطنيّة" والجوّ مأزوم للغاية بين مكوّناتها، فهذا يؤدّي إلى تعطيل رسميّ للحكومة ولمؤسّسات الدّولة، ويشدّ خناق الأزمة الاقتصاديّة والمعيشيّة على أعناق المواطنين.

إنّنا نصلّي إلى العائلة المقدّسة، لكي تحمي عائلاتنا وعائلتنا الوطنيّة، فتكون جماعة محبّة وسعادة، لمجد الثّالوث القدّوس، الآب والإبن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين."