لبنان

الرّاعي: نناشد السّياسيّين وندعوهم ليتصالحوا مع السّياسة، وأوّل مصالحة تأليف حكومة بأسرع ما يمكن
الأحد 01 تموز 2018
المصدر: نورنيوز
  • الرّاعي: نناشد السّياسيّين وندعوهم ليتصالحوا مع السّياسة، وأوّل مصالحة تأليف حكومة بأسرع ما يمكن
  • الرّاعي: نناشد السّياسيّين وندعوهم ليتصالحوا مع السّياسة، وأوّل مصالحة تأليف حكومة بأسرع ما يمكن
  • الرّاعي: نناشد السّياسيّين وندعوهم ليتصالحوا مع السّياسة، وأوّل مصالحة تأليف حكومة بأسرع ما يمكن
ترأّس البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرّاعي القدّاس الإلهيّ، في بكركي، بمشاركة رئيس بلديّة العاقورة والوفد المرافق، جمعيّة دعم الشّباب اللّبنانيّ، عائلة المرحوم شارل فؤاد الخوري صادر ، وحشد من المؤمنين. وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى الرّاعي عظةً بعنوان "عيّن اثنين وسبعين آخرين، أرسلهم أمام وجهه" (لو 10: 1)، جاء فيها:

 

"بعد أن اختار يسوع الرّسل الإثني عشر، أساقفة الكنيسة وأعمدتها، عيّن من جماعة المؤمنين التّابعينه "اثنين وسبعين وأرسلهم أمام وجهه إلى كلّ مدينة وموضع"(لو 10: 1). فوضع هكذا أوّل هيكليّة تراتبيّة للكنيسة: الأساقفة، والكهنة معاونيهم، والشّعب المؤمن. وجعل الكنيسة في حالة إرسال دائم إلى كلّ الجهّات، تحت نظره والهادي، لكي تشهد له، وتحمل إنجيلهِ، وتقود النّاس إلى الخلاص. أمّا عدد 72 فيحلّ محلّ "مجمع اليهود" الّذي كان مؤلّفًا من هذا العدد كمجموع ستة أشخاص لكلّ فرع من الفروع الإثني عشر (٦×١٢=٧٢(

 

 يسعدنا أن نحتفل معكم بهذه اللّيتورجيا الإلهيّة، ونحن في جوّ الاحتفال بعيد الرّسل الإثني عشر بالأمس، وبعيد القدّيسين الرّسولين بطرس وبولس أوّل من أمس. سلّم الرّبّ يسوع مقاليد الكنيسة لبطرس في قيصريّة فيليبّس عندما أعلن إيمانه بيسوع أنّه"المسيح ابن الله الحيّ" (راجع متّى 16: 13-19). ثمّ ثبّته في رئاسة الكنيسة بعد قيامته من الموت، عندما أعلن بطرس على شاطئ بحيرة طبريّة "حبّه الشّديد ليسوع" (يو 21: 15-17). أسّس كرسيّه الأوّل في أنطاكية، ثمّ استقرّ في روما، حيث تألّم كثيرًا في إعلان إنجيل المسيح، وحكم عليه الأمبراطور الرّومانيّ نيرون الطّاغية بالصّلب على تلّة الفاتيكان ورأسه إلى أسفل، كما طلب هو، في 29 حزيران سنة 67. فدفنته الجماعة المسيحيّة هناك حيث ارتفعت على قبره بازيليك مار بطرس والكرسيّ البابويّ.

 

أمّا شاول-بولس، مضطهد الكنيسة، والمعروف بعلمه وثقافته اللاّهوتيّة اليهوديّة، قد ارتدّ عندما ظهر له الرّبّ يسوع، وهو في طريقه إلى دمشق لاعتقال من تبقّى من أتباع يسوع. تعمّد وتتلمذ على يد بطرس والرّسل، وراح يطوف العالم مبشّرًا بالمسيح والإنجيل. له أربع رحلات على شواطئ البحر المتوسّط. بشّر في روما إلى أن قَبضَ عليه نيرون الملك وأمر بقطع رأسه سنة 67، خارج أسوار المدينة، في المكان حيث شُيّدت على اسمه بازيليك مار بولس. إنّ رسائل القدّيس بولس، الّتي تُقرأ في القدّاس على التّوالي، لا تزال منهل التّعليم المسيحيّ ومصدر التعمّق بمعرفة المسيح.

 

شبّه الرّبّ يسوع رسالة الكنيسة بالحصاد والحصّادين، فقال: "الحصاد كثير والفعلة قليلون. فاطلبوا من ربّ الحصاد أن يُرسل فعلة إلى حصاده" (لو 10: 2). الحصاد الكثير هم البشر بأجمعهم الّذين تكتسبهم الكنيسة للملكوت. وهم أيضًا الفضائل الرّوحيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة الّتي يكتسبها المؤمن، وهي بمثابة غلّات قمح يحفظها في أهرائه.

 

ولذا، هذا الحصاد لا ينتهي بل يتّسع، لأنّه يدوم مدى التّاريخ البشريّ ومدى اتّساع مساحات الرّسالة. فالأمّ مثلاً الّتي تحسن تربية أولادها على القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة والثّقافيّة رسولة في بيتها. وربّ العمل الّذي يؤسّس تجارته ونشاطه على الضّمير الحيّ بعيدًا عن الرّبح غير المشروع، ويعنيه أمرُ موظّفيه وخيرهم، هو رسول في المجتمع وفي عالم الأعمال. والمسؤول السّياسيّ الّذي يعمل للخير العام، ويغار على الدّولة ومؤسّساتها وكيانها ومالها ونموّها، هو رسول بكلّ معنى الكلمة. من هذا القبيل نناشد السّياسيّين وندعوهم ليتصالحوا مع السّياسة، وأوّل مصالحة تأليف حكومة بأسرع ما يمكن تكون قادرة على إجراء الإصلاحات المطلوبة من الدّول الدّاعمة، والنّهوض بالبلاد على كلّ صعيد، لا حكومة تقاسم مصالح ومغانم.

 

فلأنّ هذا الحصاد-الرّسالة كثير ومتشعّب الأبعاد والقطاعات، "يبقى عدد الفعلة قليلاً" (لو 10: 2). وهم الأساقفة ومعاونوهم الكهنة والشّمامسة، والرّهبان والرّاهبات، والعلمانيّون الملتزمون بحياة الإيمان ورسالة الكنيسة. فيدعونا الرّبّ يسوع لنصلّي إلى الله، ربّ الحصاد، كي يرسل فعلة إلى حصاده (المرجع نفسه). وبهذا تأكيد أنّهم يلبّون دعوة إلهيّة تضمن نجاح الرّسالة.

 

يرسل الرّب يسوع كنيسته لنشر السّلام في العالم: "أيّ بيت دخلتموه، قولوا: السّلام لهذا البّيت" (لو 10: 5). هذا السّلام أنشدته الملائكة ليلة ميلاده، ووهبه للمؤمنين به قائلاً: "السّلام أستودعكم، سلامي أعطيكم" (يو 14: 27). فأصبح السّلام من صميم طبيعة المسيحيّة. لا يستطيع المسيحيّ أن يعيش في نزاع دائم مع الغير أو أن يفقد سلام المسيح من قلبه. والسّلام على أنواع:

 

السّلام الرّوحي مع الله والكنيسة بواسطة سرّ التّوبة أو المصالحة؛ والسّلام الشّخصيّ بالعيش في طمأنينة ماديّة ومعنويّة وروحيّة؛ والسّلام الاجتماعيّ مع جميع النّاس؛ والسّلام الاقتصاديّ بتأمين الكفاية سكنًا ومأكلاً واستشفاءًا وتعليمًا وعملاً؛ والسّلام السّياسيّ بتوفّر الخير العام والأمن والاستقرار والعدالة والقانون والديموقراطيّة والمساواة في الحقوق والواجبات.

 

في عمق اللّقاء مع الله في هذه الليتورجيا الإلهيّة، نلتمس هبة هذا السّلام، ونعمة نشره فيما حولنا، رافعين نشيد المجد والتّسبيح للثّالوث القدّوس، الآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين."