لبنان

الرّاعي في اليوبيل الفضّي للتّعاونيّة اللّبنانيّة للإنماء: المحبّة وحدها الطّريق إلى بناء عالم أكثر إنسانيّة وعدالة وأخوّة
الأحد 17 حزيران 2018
المصدر: نورنيوز
إحتفالاً باليوبيل الفضّي للتّعاونيّة اللّبنانيّة للإنماء، ترأّس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي القدّاس الاحتفاليّ في الصّرح البطريركي، في بكركي؛ عاونه فيه لفيف من المطارنة والكهنة، بحضور رئيس مجلس إدارة التّعاونيّة اللّبنانيّة للإنماء فؤاد الخازن، وأعضاء جمعيّتها العموميّة، وفاعليّات سياسيّة واجتماعيّة وجماعة المؤمنين.وبعد الانجيل المقدّس، ألقى الرّاعي عظةً بعنوان "ما من أحد يعرف الآب إلاّ الابن، ومن يريد الابن أن يظهره له"(لو10: 22)، جاء فيها:

"المعرفة القائمة بين الآب والابن هي الحقيقة والمحبّة. فالله مصدر كلّ حقّ، والله محبّة (1 يو 4: 7 و 16). هذه المعرفة يُظهرها المسيح، ابن الله المتجسّد، ويكشفها للودعاء والمتواضعين المنفتحة قلوبهم على معرفة سرّ الله ومحبّته. وبذلك تنفتح قلوبهم على النّاس الأخوة في حاجاتهم.

 يسعدنا أن نحتفل بهذه اللّيتورجيّا الإلهيّة، احتفاءً باليوبيل الفضّيّ للتّعاونيّة اللّبنانيّة للإنماء، وقد مرّت خمس وعشرون سنة على تأسيسها. إنطلقت فكرتها من هذا الكرسيّ البطريركيّ في عهد سلفنا البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس، مع المرحوم الخوري يواكيم مبارك وشعارها: "برامج التّمويل الصّغير لتمكين أعمالك الصّغيرة في الرّيف". فإنّا، إذ نهنّئ التّعاونيّة بيوبيلها، نحيّي رئيس مجلس إدارتها الشّيخ فؤاد الخازن، وكلّ أعضاء جمعيّتها العموميّة، والمؤسّسات المانحة، والمتبرّعين. والعائلات الّتي استفادت من قروضها.

إنّ تهانينا مقرونة بصلاة الشّكر لله على قيام هذه التّعاونيات، وعلى ما تُنجز من خير مع عائلاتنا الّتي تتجذّر في أرض الوطن بعيش كريم، ومقرونة بالدّعاء والتمنّي أن يصبح عدد المنتسبين إليها ألف منتسب وفقًا لشروط الانتساب، من أجل مزيد من الخدمة لعائلاتنا الّتي أصبحت تفتقر أكثر فأكثر. وإنّا نقدّم هذه الذّبيحة المقدّسة على نيّة التّعاونيّة ومجلس إدارتها وجميع المنتسبين إليها، والدّاعمين والمتبرّعين، سائلين الله أن يكافئكم جميعًا بفيضٍ من نعمه وبركاته.

 لقد شئتم، أيّها الأحبّاء، إحياء هذا الاحتفال حول مذبح الرّبّ. ذلك أنّ في ذبيحة القدّاس القربانيّة تتحقّق علاقتنا الأصيلة والمخلصة مع الله بالمسيح. إنّها علاقة محبّتنا مع المحبّة الإلهيّة، فتنبسط لتصبح محبّة اجتماعيّة. ومعلوم أنّ من يحب الله يحبّ أخاه الإنسان، وأنّ محبّتنا لله تظهر وتُعرف من خلال محبّتنا لأخينا الإنسان. هذا هو الأساس الرّوحيّ والإنسانيّ "للتّعاونيّة اللّبنانيّة للإنماء"، ومعنى انطلاقة فكرتها من هذا الكرسيّ البطريركيّ، الّذي محوره سرّ القربان.

  إنّ الطّوباوي أبونا يعقوب حدّاد الكبّوشي أنشأ أكبر المؤسّسات الاجتماعيّة والتّربويّة والاستشفائيّة والصّحّيّة، بقوّة نعمة المحبّة الّتي كانت تملأ قلبه، كثمرة سجوده المصلّي أمام القربان المقدّس، ومن قدّاسه اليومي. وكانت صلاته الدّائمة: "يا روح المحبّة، علّمني أن أحيا من حبّك، وأن أرتبط بحبّك، وأن أنشر روح المحبّة".

 

 أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء، المحبّة وحدها الطّريق إلى بناء عالم أكثر إنسانيّة وعدالة وأخوّة. إنّ الكنيسة ملتزمة أبدًا بخدمة المحبّة الاجتماعيّة في أبرشيّاتها ورهبانيّاتها، وفي مؤسّساتها المتنوّعة، وهي بذلك خير سند للدّولة في التّعليم والتّربية، في الاستشفاء والعناية الصّحّيّة، في الاهتمام بذوي الحاجات الخاصّة كاليتامى والمسنّين وذوي الإعاقة. وهذا من جوهر رسالتها وتعليمها: فخدمة المحبّة هي ثمرة خدمة الكرازة والتّعليم، وخدمة الأسرار التّقديسيّة. هذه الخدمات الثّلاث تشكّل أعمدة الكنيسة. وقد تبسّط في هذا الموضوع المجمع البطريركيّ المارونيّ المنعقد ما بين 2003 و 2006، في النّص العشرين بعنوان: "الكنيسة المارونيّة والشّأن الاجتماعيّ".

 

 الشّأن الاجتماعي واجب رئيس على الدّولة، لأنّه الغاية من العمل السّياسيّ الهادف إلى خدمة المواطنين كلّهم، وتوفير عيشهم الكريم، بتأمين جميع حقوقهم الأساسيّة وهي السّكن والطّريق والماء والكهرباء والغذاء والتّعليم والدّواء والعمل. فلا يمكن القبول بمسؤولين سياسيّين، مؤتمنين على مقدرات البلاد ومرافقها ومالها، يهملون هذا الواجب. ولا يمكن القبول بمسؤولين سياسيّين لا يعنيهم سوى تأمين مصالحهم الخاصّة والفئويّة، ويهملون مصالح الشّعب حتّى إفقاره. ولا يمكن القبول بالتّلاعب بمصير مؤسّسات الدّولة، وعلى رأسها الحكومة الّتي أصبح تأليفها اليوم رهينة المشادّات بين الكتل النّيابيّة والحزبيّة والمذهبيّة، خارجًا عن روح الميثاق الوطنيّ. ويأتي الأدهى المعيب، وهو هذا التّراشق الكلاميّ المسيء للغاية بين بعضهم البعض على حساب كراماتهم الشّخصيّة وكرامة لبنان وشعبه وسمعته، فضلاً عن كونه مسيئًا لانتظارات أجيالنا الطّالعة، ومخيّبًا لآمال الدّول الصّديقة الّتي عقدت في الشّهرين السّابقين مؤتمرات لدعم لبنان في نهوضه الاقتصاديّ وتمكين جيشه وأجهزته الأمنيّة.

 

أجل، مجتمعنا السّياسي بحاجة إلى المحبّة، الّتي هي مصدر كلّ الفضائل والأخلاق الإنسانيّة والاجتماعيّة، هذه الّتي نلتمسها اليوم من ينبوع المحبّة، ذبيحة المسيح القربانيّة، رافعين نشيد المجد والتّسبيح لله-المحبّة، الآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين."