لبنان

الرّاعي: الكلّ من الدّاخل والخارج يطالب بالإصلاحات عندنا في مختلف الهيكليّات والقطاعات، وبالقضاء على الفساد المستشري في الوزارات والإدارات العامة
الأحد 10 حزيران 2018
المصدر: نورنيوز
  • الرّاعي: الكلّ من الدّاخل والخارج يطالب بالإصلاحات عندنا في مختلف الهيكليّات والقطاعات، وبالقضاء على الفساد المستشري في الوزارات والإدارات العامة
  • الرّاعي: الكلّ من الدّاخل والخارج يطالب بالإصلاحات عندنا في مختلف الهيكليّات والقطاعات، وبالقضاء على الفساد المستشري في الوزارات والإدارات العامة
  • الرّاعي: الكلّ من الدّاخل والخارج يطالب بالإصلاحات عندنا في مختلف الهيكليّات والقطاعات، وبالقضاء على الفساد المستشري في الوزارات والإدارات العامة
ترأس البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي قدّاس الأحد لمناسبة عيد قلب يسوع على مذبح الباحة الخارجيّة للصّرح البطريركيّ "كابيلا القيامة". بعد الإنجيل المقدّس، ألقى الرّاعي عظة بعنوان: تعالوا إليّ، أيّها التّعبون والثّقيلو الأحمال وأنا أريحكم" (متى 11: 28)، قال فيها :

 

"إنّ حبّ يسوع للبشر وللعالم الّذي يملأ قلبه، جعله يحمل خطايانا فكفّر عنها بموته على الصّليب، ويحمل همومنا وأثقال الحياة فتضامن معنا مرافقًا درب كلّ واحد وواحدة منّا. بهذا الحبّ ينادينا في كلّ ظرف من ظروف حياتنا: "تعالوا إليّ، أيّها التّعبون والثّقيلو الأحمال، وأنا أريحكم" (متى 11: 28). ويدعونا لننقل محبّته إلى جميع النّاس، فقد "ترك لنا في شخصه قدوة لنعمل كما عمل هو"  (راجع يو 13: 15). إذا فعلنا، نلنا كرامة إنسانيّة عظيمة، وشرف انعكاس صورة المسيح فينا. هكذا أوحى الرّبّ يسوع للقدّيسة الرّاهبة مارغريت ماري ألاكوك.  ما جعلها تقول: " لكي يهب الله حبّه للعالم، هو بحاجة إلى قلب؛ ولكي تصل كلمة الله إلى العالم، هو بحاجة إلى لسان؛ ولكي يبسط الله رحمته على العالم، هو بحاجة إلى يد" .

يسعدنا أن نحتفل معًا بهذه اللّيتورجيا الإلهيّة، ونحيي عيد قلب يسوع الأقدّس، وقد دعت إليه ونظّمته "عائلة قلب يسوع"، الّتي تحتفل بمرور 33 سنة على تأسيسها في لبنان. إنّا، إذ نهنّئها بالعيد، نحيّي مرشدها العام المونسنيور روكز برّاك، والمرشدين المحلّيّين، ورئيستها السّيّدة سلوى اسطفان، ولجنتها الإداريّة والمسؤولين وسائر أعضائها وفروعها في لبنان والعالم العربيّ وبلدان الانتشار.

 

 إنّهم ينشرون، بالتزام وفرح، عبادة قلب يسوع والمناولة التّعويضيّة في كلّ أوّل يوم جمعة من الشّهر، ويخدمون المحبّة في مراكزهم الثّلاثة ملبّين حاجات حوالي ستماية عائلة، جاعلين قلب يسوع نابضًا بمحبّته من خلال محبّة قلوبهم وسخاء أيديهم وصفاء عاطفتهم. إنّ "عائلة قلب يسوع" تختبر كلّ يوم كيف يريح الرّبّ كلّ "التّعبين والثّقيلي الأحمال" بوداعة قلبه وتواضعه.

 

إنّنا نرفع هذه الإفخارستيّا صلاة شكرٍ للرّبّ يسوع على محبّته العظمى لنا ولكلّ الجنس البشريّ؛ وصلاة تعويض عن الإساءات البشريّة لمحبّته بخطاياها وشرورها المتمادية، الّتي تنتهك جميع وصايا الله ورسومه وتعليم الإنجيل وتجرح قلبه الأقدس؛ وصلاة التزام بتحقيق ما طلبه على لسان القدّيسة مارغريت ماري، من أجل أن يجد عابدو قلبه المحبّ والرّحوم السّلام الدّاخليّ، ويبلغوا خلاصهم الأبديّ. فعبادة قلب يسوع مصدر الخير والنّعم لنا ولكلّ إنسان. "إنّنا من فيض قلبه الأقدس نأخذ جميعنا الحبّ والحنان؛ ومن كثرة رحمته ننال الصّفح عن خطايانا؛ ومن ينبوع حياته وقداسته ننهل معنى الحياة ونعمة القداسة"، كما نصلّي في طلبة قلب يسوع الأقدس.

 

لقد كشف الرّبّ يسوع سرّ حبّه المتّقد في قلبه للقدّيسة الرّاهبة مارغريت ماري، عندما ظهر لها سنة 1673 فيParay le Monial  بفرنسا، وهي تصلّي أمام القربان الأقدس. ظهر بجراحاته الخمسة مشعّة بمجد القيامة، كأنّها مجموعة شموس. وسلّمها رسالة مثلّثة: نشر العبادة لقلبه الأقدس، والمناولة التّعويضيّة عن إساءات البشر لقلبه القدّوس في كلّ أوّل جمعة من الشّهر، والشّهادة لمحبّته بالأفعال والمبادرات.

 

عندما طعن أحد الجنود قلب يسوع بحربة، وهو ميت على صليب الفداء، جرى منه ينبوع النّعم المتمثّلة بالماء والدّم، وهي رمز للمعموديّة الّتي منها نولد ثانية أبناءً وبناتٍ لله، وللقربان الّذي به نغتذي حياةً إلهيّة كدواء لعدم الموت. العبادة لقلب يسوع الأقدس هي إقرار بحبّه الّذي بلغ ذروته بآلامه وموته على الصّليب فداء عن خطايا البشر أجمعين. إنّ جرح قلبه عميق لكي يحتوي قلوب جميع النّاس. وهو جرح مفتوح دائمًا ليرَ الجميع من خلاله حبًا يشملهم جميعًا ولا يستثني أحدًا، أيًا يكن لونه وعرقه ومعتقده. هذا الجرح أثمر الخلاص للعالم كلّه، فبات الألم والمحبّة متلازمين، على ما يؤكّد بولس الرّسول بسؤاله: "من يفصلني عن محبّة المسيح؟ أشدّة أم ضيق، أم اضطهاد أم جوع أم عريّ، أم خطر أم سيف؟ ... لا شيء يفصلنا عن محبّة الله لنا في ربّنا يسوع المسيح" (روم 8: 35-39).

فكما أنّ آلام وموت المسيح أثمرت الخلاص للعالم، بفضل جرح محبّته العظمى، هكذا كلّ عذاب وألم في الإنسان يمكن أن يصير وسيلة خلاص، ويقود إلى الحياة.

إنّ العبادة لقلب يسوع هي مدرسة الفضائل الإلهيّة:الإيمان والرّجاء والمحبّة؛ والفضائل الإنسانيّة: القوّة والعدالة والفطنة والاعتدال الّتي تنظّم أعمالنا بعقل واعٍ وإرادة حرّة؛ والفضائل الأخلاقيّة: أعمال الخير والصّلاح الّتي تنمو فينا بالتّربية وحسّ الضّمير، صوت الله الدّاعي إلى فعل الخير وتجنّب الشّر؛ والفضائل الّتي هي من مواهب الرّوح القدس السّبع: الحكمة والفهم والعلم والمشورة والثّبات والتّقوى ومخافة الله (كتاب التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، 1833-1845).

 

كلّ هذه الفضائل حاجة لكلّ إنسان، وبخاصّة لكلّ صاحب مسؤوليّة لأنّ منها تتولّد الأخلاقيّة في ممارسة السّلطة، أكان في الكنيسة أم في الدّولة. الكلّ من الدّاخل والخارج يطالب بالإصلاحات عندنا في مختلف الهيكليّات والقطاعات، وبالقضاء على الفساد المستشري في الوزارات والإدارات العامة، وبضبط السّرقات والرّشوات من أجل حماية المال العام، وبالحدّ من روح تقاسم المغانم في التّوزير والتّوظيف وحشر المستشارين. والكلّ على حساب شعبٍ يفتقر يومًا بعد يوم، وشبيبة يخنقون فيها الطّموح والقدرات، ويكفّرونها بالوطن.

 

وفيما كان الشّعب اللّبنانيّ ينتظر بأمل ولادة حكومة جديدة تكون على مستوى التّحدّيات والانتظارات والوعود، إذ بالسّلطة تصدمه بمشكلة في غير محلّها، بإصدار مرسوم تجنيس مجموعة من الأجانب من غير المتحدّرين من أصل لبنانيّ. وهو مخالف للدّستور في مقدّمته الّتي تنصّ بشكل قاطع وواضح: "لا تقسيم ولا توطين" (الفقرة ط). فالتّوطين هو منح الجنسيّة لأيّ شخص غريب لا يتحدّر من أصل لبنانيّ. فكيف يمكن قبول ذلك وفي وزارتي الخارجيّة والدّاخليّة ألوف مكدّسة من ملفّات خاصّة بطالبي الجنسيّة وهم لبنانيّو الأصل. وهل يُعقل أن يظلّ القانون الصّادر سنة 1925 في زمن الانتداب الفرنسيّ، وقبل عشرين سنة من الميثاق الوطنيّ والاستقلال التّام، الأساس لمنح الجنسيّة اللّبنانيّة؟

 

وما القول عن الجدال على مستوى المسؤولين السّياسيين بشأن عودة النّازحين السّوريين إلى بلادهم. إنّ جوهر الموضوع هو أنّ الأسرة الدّوليّة لا تشجّع هؤلاء النّازحين السّوريين على العودة بل تخوّفهم. وهذا قلناه شخصيًّا للرّئيس الفرنسيّ on Emmanuel Macrولكبار المسؤولين الّذين التقيناهم، أثناء زيارتنا الرّسميّة إلى باريس ما بين 28 و 31 أيّار الماضي. وقد طالبنا بأمرين: الأوّل، فصل الشّأن السّياسيّ في سوريا عن عودة النّازحين إلى وطنهم وديارهم؛ والثّاني، تشجيع النّازحين على العودة بالتّركيز على حقّ المواطنة وما ينتج عنها لهم من حقوق مدنيّة، وعلى واجب المحافظة على ثقافتهم وحضارتهم وتاريخهم، بدلاً من تخويفهم. ونحن اللّبنانيّين أعربنا عن الشّجاعة في العودة إلى الأماكن غير الآمنة أثناء الحرب الّتي عشناها. حتّى قيل فينا: "اللّبنانيّون شعب لا يريد أن يموت." ذلك أنّ ما يخلّص شعبًا هو ثقافته.

 

في عيد قلب يسوع، عيد المحبّة، نلتمس من القلب الأقدس هذه الهبة الثّمينة:  المحبّة الّتي هي روح لحياة كلّ جماعة: العائلة والمجتمع والكنيسة والدّولة. والمحبّة الّتي تعطي شكلاً ومعنى لكلّ شيء. وإنّا بقلوب مفعمة بالحبّ، نرفع نشيد المجد والتّسبيح لمصدر كلّ حبّ، الثّالوث القدّوس، الإله الواحد، الآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".