لبنان

لقمة محبّة وتعايش في مطرانيّة طرابلس المارونيّة
الثلاثاء 05 حزيران 2018
المصدر: نورنيوز
أقامت مطرانيّة طرابلس المارونيّة إفطارها السّنويّ على شرف مفتي طرابلس والشّمال الشّيخ مالك الشّعّار، وذلك في معهد مار يوحنّا للتّعليم العاليّ، في بلدة كرم سدّه في قضاء زغرتا، بحضور رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة المطران جورج بو جوده، مفتي طرابلس والشّمال الشّيخ مالك الشّعار على رأس وفد من المشايخ، إلى حشد من الفعاليّات السّياسيّة، النّقابيّة، الاقتصاديّة، الاجتماعيّة، التّربويّة، والأمنيّة، ورجال دين.

 

وألقى المطران بو جوده كلمة في المناسبة قال فيها: "لقد تقاطع، هذه السّنة شهر رمضان وصومه الكريم مع شهر الكرامة والمحبّة، شهر أيّار، شهر تكريم أمّنا العذراء مريم، فتداخلت ترانيم صلواتنا مع تراويح شهر البركة في حركة شكر وتسبيح للباري تعالى على جزيل عطاياه. ستّنا مريم، كما يحلو للمسلمين أن ينادوها، هي مثال المؤمن الملتزم بعبادة الإله الواحد، لنا بثباتها على القيم الرّوحيّة والإيمانيّة خير مثال يحتذى عن طواعيّة الحبّ المفضيّ إلى الكمال. في هذا المساء، تغمرنا مشاعر المودّة لكم يا صاحب السّماحة لما تمثّلون من قيم روحيّة وإنسانيّة، خبرناها بتفاصيل تواصلنا اليوميّ،  قيمٌ راسخة في حبّ الإنسان، في البحث الدّؤوب عن الصّلاح والسّلام والسّماح والغفران. وكم نحن بحاجة إلى الغفران، إلى تنقيّة الذّاكرة من شوائب ظلال الموت، غفران ينقّي الذّاكرة بزوفى اللّقاء والحوار الدّائم. يدًا بيد نبني الغد ونرتقي بالإنسان إلى سموّه المطلق، إلى إشراقات من روح الله الّذي يجدّد فينا نقاءنا الأوّل صورة بداياتنا الجميلة".

وتابع: "ما يجمعنا اليوم هو أبعد من الخبز والملح، يجمعنا هذا التّراب الواحد، تراب الوطن الّذي نحن منه وإليه نعود. وليس غريبًا على أبرشيّة طرابلس المارونيّة أن تشكّل علامة فارقة في علاقات الإخوة والتّقارب بين مسلميها ومسيحيّيها، وهي ما فتأت تسعى لأن تقوّي هذه العلاقات وتعزّزها، وتبحث عن مساحات جديدة للقاء والحوار والتّعاون المثمر بين كلّ ذوي الإرادة الصّالحة. هنا لا بدّ لنا من أن ننوّه بما تقوم به من نشاطات ولقاءات مباركة "الشّبكة المستدامة لرجال الدّين في الشّمال"، الّتي تضمّ ببركتكم وتشجيعكم يا صاحب السّماحة، ويا أصحاب السّيادة، عددًا من الكهنة، والمشايخ، والعلمانيّين الملتزمين. كما ونتطلّع معكم إلى المزيد من التّعاون والتّواصل والعمل المشترك لما فيه خير مديتنا ومنطقتنا وبلادنا".

وختم بو جوده يقول: "إنّنا نشكر الرّبّ على ما حصل في الفترة الأخيرة من انتخاب لممثّلي الشّعب في المجلس النّيابيّ، والّذي على الرّغم من بعض النّواقص والانتقادات من قبل البعض، أخرجت البلاد من جوّ الضّياع الّذي كادت تقع فيه، بسبب عدم القيام بهذا الاستحقاق الدّستوريّ منذ سنوات عديدة والّتي أوصلت الأوضاع الاقتصاديّة إلى الحضيض. فكلّنا مدعوّون لوضع أيدينا بأيدي بعضنا البعض والتّعاون مع السّلطات المدنيّة على إخراج البلاد من أزمتها الّتي طالت طويلاً، وإلى دعم جيشنا اللّبنانيّ الباسل، وقوى الأمن الدّاخليّ، وسائر القوى الأمنيّة على ترسيخ الأمن والسّلام والاستقرار كي يعود لبنان إلى ما كان يميّزه منذ القديم كبلد ليس كغيره من البلدان، بل بلد رسالة للشّرق والغرب والعالم أجمع على ما قال البابا يوحنّا بولس الّثاني".

من ثم تحدّث المفتي الشّعّار فقال: "كأنّنا ننتظر في كلّ عام هذا اللّقاء الموعود إلى مائدة كريمة عامرة  يسودها الحبّ قبل الطّعام، ويتحفنا دائمًا أخي صاحب السّيادة بنبل مشاعره وصدق عاطفته، ولو أردت أن أردّدها كلمة كلمة في المسجد المنصوريّ الكبير لما أخطأت في واحدة منها لأنّ الكلام عندما ينبع من عمق الإيمان والفهم الصّحيح للسّرّ الإنسانيّ في الحياة ،عند ذلك يتلاقى أهل العقل ويتجانس أهل الرّأي ويتكاتف أهل النّظر وتتّحد مسيرة اللّقاء الإنسانيّ والوطنيّ والدّينيّ مهما كان الخلاف لأنّ مساحة اللّقاء والتّجانس أكبر بكثير من نقاط التّباين في الرّأي أو المعتقد".

أضاف الشّعّار: "إذا أردت أن أتناول الكلمة الأخيرة الّتي أنهى بها المطران بو جوده كلمته من التّمنّيات وأن تسود وتعمّ المحبّة، فأنا لا أتصوّر دينًا ولا أتصوّر مسلمًا لا يفيض قلبه بالحبّ، وإلّا كيف يتمنّى الإنسان الخير للغير وكيف نتناول حديث النّبيّ خير النّاس ليس خير المسلمين ولا خير السّنّة ولا خير الشّيعة أو خير الأرثوذكس أو خير الأقباط بل خير النّاس أنفعهم للنّاس، كيف نحمل الخير للآخرين إذا لم تمتلئ قلوبنا بالحبّ، إذا لم نمارس هذا الحبّ. نحن قوم لا نستطيع أن نعيش بدون حبّ ويخطئ من يعتقد أنّ الحبّ كلام الشّعراء أو من مفردات المراهقة أو هو خاصّ بالجنس الآخر الحبّ قضيّة الإنسان بعد الإيمان هذا الإيمان لا يكتمل بدون حبّ والّذين آمنوا هم أشدّ حبًّا لله كمال المحّبة للخالق الّذي أوجد وأنعم وأعظم وأبدع صاحب المنّة والجود والكرم والإحسان".

 

وتابع يقول: "نحن كلّنا أبناء آب إذا نحن أخوان أبونا واحد وأمّنا واحدة ونحن أخوة في الوطن واسمحو لي أن أقول كلامًا جريئًا الدّين واحد الرّسالات السّماويّة تعدّدت لكن مجموعها يمثّل الدّين الّذي ارتضاه الله للبشر وأنزل على الأنبياء هذا الحبّ وطننا ومجتمعنا بحاجة إليه، الشّمال نموذج نادر للتّعايش والتّعاون والحبّ والتّواؤم بين المسلمين والمسيحيّين، نحن نموذج ينبغي أن نكون للعالم لا يمكن أن يزول السّلام مع  قلوب مبغضة ومعتمة ومظلمة، السّلام والأمن لا يتحقّقا إلّا من خلال نفوس صافية وقلوب مؤمنة ومحبّة".