لبنان

المطران عوده: ميّ عريضة شجرة ذات أغصان وارفة
الأربعاء 16 أيار 2018
المصدر: نورنيوز
"في أيّامِ الفقرِ والمَــحْــلِ والجفاف، شجرةٌ ذاتُ أغصانٍ وارفة تُــثمرُ ثقافةً وفنًّا وإبداعًا ذَوَتْ برحيل ميّ عريضة، الوجه المتألّق منذ عشرينات القرن الماضي، والشّخصيّة الّتي طبعتْ عصرَها وتركتْ بصماتها على تاريخ لبنان الثّقافيّ". بهذه الكلمات، بدأ متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس الياس عوده كلمته في جنازة الرّاحلة مي عريضة الّتي احتُفل بها في كنيسة القدّيس نيقولاوس.

 

وتابع المطران عوده يقول: "كانت مي عريضة امرأةً رائدةً في عالم الثّقافة والفنّ ووجهًا مشرقًا من لبنان الزّمن الجميل، لبنان الحضارة والثّقافة والإبداع. كانت لها اليد الطّولى في بلورة صورة لبنان  الثّقافيّة حتّى إنّها أصبحت بمثابة سفيرة لهذا البلد الصّغير الّذي كان بفضلها وفضل أمثالها مقصدًا  للعباقرة. 

عاصرت كميل وزلفا شمعون، ولمّا أصبح كميل شمعون رئيسًا أراد أن يحقّقَ حلمًا راوده بإنشاء  مهرجان سنويّ يستضيف كبار نجوم العالم في أرجاء قلعة بعلبك، فكانت مهرجاناتُ بعلبك سنة  1956 الّتي رعت لجنتها السّيّدة زلفا وعُهدت إلى ميّ عريضة مسؤوليّة العروض الأجنبيّة فيها.

مذّاك التصق اسم ميّ عريضة بمهرجانات بعلبّك الدّوليّة. وقد تسلّمت مهام رئاسة اللّجنة منذ سنة  1973، على مدى نصف قرن قضته في الجهد والعمل الدّؤوب من أجل جعل هذا المهرجان السّنويّ  موعدًا ينتظره لبنان ومحيطه، إنّما أيضًا أبرز الفنّانين العالميّين الّذين كانوا يعتزّون بمشاركتهم في  مهرجانات بعلبّك ويتباهون بتقديمهم عروضًا على مسارح بعلبّك.

رفعت ميّ عريضة مهرجانات بعلبّك إلى المرتبة العالميّة وعملت جاهدة، مع غيرها من السّيّدات، من  أجل جعلها قبلة أنظار فنّاني الشّرق والغرب. هكذا، توالت، بين معبدي جوبيتير وباخوس، مسرحيّات جان كوكتو وأعمال  شكسبير ومسرحيّات الرّحابنة يصدح فيها صوتًا فيروز وصباح، وإبداعات لويس آراغون وبلاسيدو  دومينغو وفرانك سيناترا وموريس بيجار ومارغو فونتين وهربرت فون كاريان وإيغور موييسييف  وروستروبوفيتش ونورييف وغيرهم من عباقرة ذاك الزّمان. كما صدح بين أعمدة بعلبّك صوت أمّ  كلثوم الخالدة وعُرضت مسرحيّات روميو لحّود.  

هذه السّيّدة الّتي رافقت الفنّ والفنّانين، كانت مرهفة الحسّ، عاشقةً للجمال، عاملةً على إبراز صورة  لبنان الجميلة الّتي تبقى فوق البشاعات والتّناقضات الّتي نعيشها اليوم.

لمسات ميّ عريضة كانت واضحة في كلّ صفحة من صفحات مهرجانات بعلبك، وعملها الدّؤوب  أوصل المهرجانات إلى ما وصلت إليه. لكنّ تفانيها في العمل وتطلّعاتها الثّقافيّة والإنمائيّة اصطدمت بشراسة الحرب وبشاعتها، ما ترك في قلبها غصّة وفي نفسها  مرارة. وبعد مرور هذه الغيمة السّوداء الثّقيلة، عادت تعمل مع مجموعة من السّيّدات على إعادة إحياء هذه المهرجانات الّتي تعثّرت لسنوات، وجعلت من إعادة إطلاقها قضيتها، وتوسّلت صداقتها مع روستروبوفيتش سنة 1997 لتجعله يغيّر مواعيده ويضع على برنامجه عرضًا لمهرجانات بعلبك المستعادة.

حياةُ مي عريضة مسيرةُ نجاح وتميّز لامرأة فتنت بِـطَـلَّـتِـها وثقافتها، وغلبت الصّعاب بإرادتها الصّلبة،  وانتصرت على مرارات الحياة بالخدمة والعطاء. 

رغم ثقل السّنين بقيت مي عريضة حريصةً على متابعة وحضور مهرجانات بعلبك، لأنّ ربيبَ الجمال لا يرضى مفارقته، وكلّ فنّ جميل، فما بالك بالموسيقى الرّاقية والمسرح الّذي لا يهوى الابتذال؟

معبدا جوبيتر وباخوس سيفتقدان صلابتها وتفانيها وأعمدة بعلبك ستشتاق إلى طلّتها البهيّة كما ستبكي حجارتُــها امرأةً سبقت زمانها وساهمت مع من ساهموا في صنع مجد لبنان. 

صلاتنا أن يتقبّلها الرّبّ الإله في ملكوته ويغمرها بمحبّته ورحمته ويعزّي قلوب عائلتها ومحبّيها واللّبنانيّين جميعاً".