العراق

البطريرك ساكو: أجدّد دعوتي للمسيحيّين العراقيّين إلى التّغيير في رؤياهم وفي سلوكهم
الثلاثاء 02 نيسان 2019
المصدر: نورنيوز
وجّه بطريرك بابل للكلدان مار لويس روفائيل ساكو رسالة لمناسبة أعياد "أكيتو" السّنة البابليّة، كتب فيها بحسب موقع البطريركيّة الرّسمي:

 

"لقد بدأت بعض الأقلام المسيحيّة تشعر بالخطر، وتدعو إلى تشكيل مرجعيّة مسيحيّة علمانيّة موحّدة بمستوى الأزمة. ولقد قرأتُ هذه الدّعوات باهتمامٍ وتمعُّن، لأنّها تعطي أملاً لتغيير المشهد المسيحيّ العراقيّ. إزاء كلّ هذا، أتمنّى أن تهبّ روح منعشة على واقعنا "الرّماديّ" المُقلِق والمُخيف، لتُعيننا على مواجهة التّحدّيات المهدِّدة لوجودنا التّاريخيّ. كلّنا نتحمّل هذه المسؤوليّة المصيريّة. وهنا اأنوِّه بقوّة إلى ما عبَّرتْ عنه العديد من الدّول الكبرى من اهتمام بالمسيحيّين وحرصٍ على بقائهم في أوطانهم ودعمهم لحقوقهم كاملة كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وأذكر على سبيل المثال: أميركا وروسيا وفرنسا وإنكلترا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والنّمسا وهنغاريا فضلاً عن الفاتيكان. الخ.

ببساطة، إنّي أعزو هذا الدّعم إلى ما عاناه المسيحيّون، ولا يزالون، من أعمال العنف والاضطهاد وإلارهاب؛ وأيضًا الى تأكيد الغالبيّة المسلمة على ضرورة بقاء المسيحيّين في بلدهم واستمرارهم في العيش ضمن مجتمع متعدّد، بعيدًا عن التّطرّف والطّائفيّة والمحاصصة، وخصوصًا أنَّ المسيحيّين هم سكّان البلد الأصليّين.

لقد نَخَرتْ الهجرة الجسم المسيحيّ لأسباب واقعيّة، وأخذت أعدادهم تتضاءل بشكل مخيف، وإذا استمرّت الهجرة والتّشظّي وضبابيّة الرّؤية على هذا النّحو، فمصيرنا سيكون مثل مصير اليهود عام 1948. إنّي أحترم القرار الشّخصيّ في الهجرة والشّخص هو من  يتحمّل مسؤوليّة قراره، لكنّني لست الشّخص الّذي يطلب من أيّة جهة تسهيل ذلك، لأنّي أؤمن أنّ الهجرة سوسٌ ينخر الجسم المسيحيّ، بسبب التّشتّت هنا وهناك والضّياع في ثقافات ومجتمعات جديدة وغريبة عن تراثنا وثقافتنا، سوسٌ ينخره معنويًّا حتى لو بقي البدن حيًّا!

لذا أجدّد دعوتي للمسيحيّين العراقيّين إلى التّغيير في رؤياهم وفي سلوكهم بدلاً من الانتقادات غير النّافعة والصّراعات من أجل مصالح ضيّقة: فالموصل فرِغَت من مسيحيّيها، وهناك ضغوط على بلدات سهل نينوى من أجل تغيير ديموغرافيّتها، والتّأثير السّلبيّ على من عاد إليها، والكلّ يعلم أنّ معظم الأحزاب المسيحيّة مختَرَقة، وأجنداتها السّياسيّة لا تأخذ بعين الاعتبار الوجود المسيحيّ، وتشهد على ذلك الانتخابات الأخيرة. لذا فالمسؤوليّة الملقاة على عاتقنا كمسيحيّين تتطلّب منّا أن نتّحد ونشكّل مرجعيّة بمستوى المأساة، وإلّا فإنّ القادم أسوأ.

أجل، بات ضروريًّا الآن، أكثر من أيّ وقت مضى، رفض حالة الشّؤم واليأس، والتّحرّك السّريع لجمع الشّمل، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأنّ القواسم مشتركة وهي عديدة والمصير واحد؛ وثمّة ثقافة مسيحيّة مشتركة لا تقبل التّقسيم؛ وبعيدًا عن تجاذبات التّسمية وصراع المصالح، ينبغي الآن، وليس غدًا، تشكيل "خليّة أزمة" من كلي الجنسين: من أشخاص مخلصين لهم قدرات فكريّة وعمليّة واضحة وقراءة وتنظير للواقع، والعمل على تأسيس مكتب رصد (مرصد مسيحيّي العراق) لمتابعة الانتهاكات بحقّهم، بجدّيّة تامّة، خصوصًا قانون الأحوال الشّخصيّة.

إنّنا نحتاج إلى أفعال وليس إلى ثرثرة المنتقدين الطّارئين وغريبي الأطوار غير المسؤولة. على المسيحيّين داخل العراق وخارجه تحمّل مسؤوليّاتهم التّاريخيّة من خلال الحوار الصّادق والحكمة والرّؤية. نحن ككنيسة نبقى بالطّرق المسموحة والمناسبة ندعمهم، ولكن من دون أن نحلّ محلّهم. هذا هو في اعتقادي، المخرَج الوحيد الحضاريّ لتغيير واقعنا وتقوية بقائنا في أرض الآباء والأجداد، وتأدية دورنا الرّياديّ في وطننا الأمّ، ونحن جزء لا يتجزّأ من نسيجه".