العراق

ساكو: الأصالة والتّجدّد والوحدة هي في كياني وفكري وصلاتي
الأربعاء 06 شباط 2019
المصدر: نورنيوز
أصدر بطريرك بابل للكلدان مار لويس روفائيل ساكو رسالة جديدة أكّد فيها على أنّ الأصالة والتّجدّد والوحدة هي في جذور الكنيسة الكلدانيّة، فكتب بحسب موقع البطريركيّة الرّسميّ:

 

"لقد اطّلعتُ على  بعض انتقادات وتعليقات عن تأوين طقوسنا المشرقيّة الكلدانيّة، وردت في وسائل التّواصل الاجتماعّي وأرسل قسم منها إلى البطريركيّة عن طريق الإيميل. وجدتُ أنّ السّطحيّة  والعاطفة غلبت عليها؛ ممّا يدفع إلى التّعليق الفوريّ "أنّنا كنيسة ولسنا متحفًا للتّراث". وهذه فرصة مؤاتية للحديث المعمّق عن الموضوع، بعيدًا عن نزق الانتقاد.

الكنيسة مؤسّسة إلهيّة وبَشَريّة لنقل بُشرى الخلاص الّتي جاء بها المسيح لكلّ البشر في كلّ زمان ومكان… أليس كذلك؟

إنّ رسالة الكنيسة جامعة وليست لقوم أو لبلد أو لزمن واحد، وهذا ما أدركَته الكنيسة وعاشته منذ فجرها الأوّل. الكنيسة جماعة يوحّدها الهدف وهو المسيح– المخلِّص، لها مواهبها ورسالتها. نحن كنيسة رسالتها البشارة، أيّ التّعليم والحضور والخدمة، وهذا ما يدعونا إلى أن نكبر وننمو وننضج في الاتّجاه الصّحيح. وقد ينسى الكثيرون أنّه حتّى الكنيسة المحلّية هي كنيسة جامعة، تعبّر تعبيرًا كاملاً وصادقًا عن الكنيسة الجامعة.

من المؤسف جدًّا أن نرى كنائسنا الشّرقيّة قد فقدت البعد التّبشيريّ، والحسّ الإرساليّ بسبب وضعها الجيوسياسيّ، والضّغوط والاضطهادات، فغَدتْ كنائس قوميّة: كلدانيّة وآشوريّة وأرمنيّة وسريانيّة وقبطيّة ومارونيّة، بحسب البقعة الجغرافيّة واللّغة. لربّما في حقبة ما، استطاعت هذه الكنائس بسبب طقوسها في اللّغة أن تحافظ على إيمانها، أمّا اليوم وهي متواجدة في دول عدّة ولغات وثقافات مختلفة ومتنوّعة، وتواجه تحدّيات مصيريّة، كيف لها أن تحافظ على تراثها وتقاليدها ولغتها؟ نحن اليوم نعيش في عصر يختلف عن العصر الّذي ظهر فيه المسيح والكنيسة، بيننا ألفا سنة ونيّف. عالمنا غدا "قرية رقميّة".

إنّ طريقة التّفكير اختلفت، ومزاج النّاس تغيّر وهكذا الثّقافة واللّغة. ولقد استجدّت قضايا وقيَم لم يعرفها الخطاب الدّينيّ (التّقليديّ) القديم. لذا بات تقييم تراثنا الكنسيّ وتأوينه وتحديثه ضرورة قصوى لمعالجة الوضع الاجتماعيّ الحالي بتحدّياته ومتطلّباته، والاستجابة لانتظارات المؤمنين، لتغدو طقوسنا حيويّة تنعش الإيمان والرّجاء، فلا تبقى  تقليدًا جامدًا. هذه  الطّقوس هي ابنة سياقها الاجتماعيّ والتّاريخي والثّقافيّ، وينبغي ألّا تُقتطع من ذلك السّياق في عمليّة التّأوين، بل بالأحرى الأخذ بروحيّتها ودلالاتها وفقًا لما يقتضيه الزّمن.

في جوهر الإنجيل ورسالة الكنيسة تأتي الأصالة والحداثة والتّجدّد، وعلى الكنيسة أن تتمسّك بدورها النّبويّ الشّجاع. بالأصالة تُطوِّر الكنيسة ذاتها، وبالانفتاح والتّجديد تَحول دون جعل هذه الأصالة أداة انغلاق وتعصّب. وإذا أبقينا على التّقليد القديم وحده فقدنا شعبنا. إنّنا نشاهد بعض الكنائس التّقليديّة شبه فارغة من الشّباب، ومن دون مشاركة النّاس الصّلوات!

الأصالة تعني الأصل. ما لدينا اليوم مختلف عن الأصل، فقدّاس أداي وماري في القرن الثّالث مختلف عن الّذي كنّا نستعمله قبل التّأوين، وقدّاس الثّاني والثّالث إن احتفلنا  بأيّ منهما نحتاج أقلّه إلى ساعتين! وعليه فإنّ تأوين طقوسنا جاء نتيجة دراسات أكاديميّة ونقاشات راعويّة رصينة حافظت على الأصالة أيّ الرّوحيّة والدّلالة من جهة، والأمانة الرّاعويّة تجاه المؤمنين المعاصرين من جهة أخرى. لا بدّ أن نميّز بين الجوهريّ والعَرَضيّ، وبين الإلهيّ الثّابت والبشريّ المتحرّك. وهنا أسجّل شكري لآباء السّينودس على جهدهم المضنيّ. وسوف يأتي بعدنا من يشعر بأنّ تأويننا لا يلائم زمنه  فيعمل على ملاءمته لعصره. هذا هو سرّ التّجسّد، وهذه هي رسالة الكنيسة.

إنّ الكنيسة في تأسيسها مُرسلة، وإنّ أحد العناصر الأساسيّة فيها هي الشّموليّة في ذاتها، في كينونتها ورسالتها. هذه الحقيقة يجب أن نعلنها للجميع.

الرّسالة ينبغي أن تُنقل بكلّ اللّغات واللّهجات، ومراسيم العبادة كذلك، لتكون قادرة على مخاطبة  كل إنسان، وكلّ الإنسان، في كلّ زمان ومكان. هذا هو بلاغ حلول الرّوح القدس على التّلاميذ "وظَهَرَت لَهم أَلسِنَةٌ كأَنَّها مِن نارٍ قدِ انقَسَمت فوقَفَ على كُلٍّ مِنهُم لِسان" (أعمال 2: 3). فلا توجد بعد لغة واحدة مقدّسة للكنيسة ولا شعب مختار لوحده، إنّما كلّ اللّغات هي مقدّسة وكلّ النّاس مدعوّون وهم مختارون. اللّغة ليست مجرّد وسيلة للتّعبير، إنّما هي إحساس وفكر وثقافة وهكذا رُتب العبادة.

نجد في كنيسة المشرق أدبًا مسيحيًّا قديمًا باللّغة العربيّة. على سبيل المثال، طيمثاوس الأوّل (780-  823) كتب بالعربيّة (الحوار مع الخليفة المهدي) وكذلك سكرتيره، أبو الفرج ابن الطّيّب، في كتابه "فقه النّصرانيّة"، وإيليا النّصيبينيّ، وعبد يشوع الصّوباويّ، وإيليّا أبو حليم، وآخرون.

لذا يتوجب علينا أن نُعدّ رُتبـًا بالعربيّة والكرديّة والإنكليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة والسّويديّة إلخ… للجيل الجديد الّذي ولد ونشأ هناك والّذي لا يعرف لغتنا وطقسنا؟ لماذا الخوف إذًا؟ هكذا ترجم الملاباريّون (في الهند) طقوسهم الّتي كانت بالكلدانيّة– السّريانيّة مثلنا، إلى "ملايالم" وجدّدوها لتكون ملائمة لمؤمنيهم.

على الكنيسة، وكلّ كنيسة أن تجيب على الأسئلة الّتي تطرح عليها اليوم، والّتي سوف تُطرح في المستقبل، فلماذا إذًا، خوف هؤلاء  المنتقدين من المعاصرة؟

 أقول لهم لماذا لا تحافظوا على الزّيّ الّذي كان رائجًا في قراكم؟ وعلى عادات وتقاليد أجدادكم؟ لقد غيّرتموها، لأنّها ما عادت تلائم مجتمعكم الجديد !

أمّا الوحدة، فنشكر الله أنّها مجسّدة في كنيستنا بالرّغم من تشتّتنا في عدّة بلدان والتّحدّيات القاسية الّتي نواجهها، فما نقرّره في السّينودس يطبّق في كلّ رعايانا، أمّا الوحدة مع الكنائس الأخرى، لاسيّما الكنيسة الآشوريّة الشّقيقة فلقد قامت كنيستنا بعدّة مبادرات، لكنّها لم تجد صدى، يقينًا إنّ طريق الوحدة طويل وشاقّ، ينبغي الإعداد له روحيًّا وفكريًّا وعمليًّا لنتقدّم في التّفاهم ونقترب من بعضنا البعض بمحبّة وتجرّد فنمتلئ بالجرأة ونتكلّم في المواضيع اللّاهوتيّة المتّفق عليها والمختلَف. لا نزال نأمل ذلك.

 

هذه "الثّلاثيّة: الأصالة والتّجدّد والوحدة"، هي في كياني وفكري وصلاتي".