إقتصاد

تابت في إطلاق نشاط تحكيم وتوزيع جائزة الجادرجي الـ19 لطلبة العمارة
الاثنين 28 كانون ثاني 2019
المصدر: الوكالة الوطنيّة للإعلام
نظمت نقابة المهندسين في بيروت و"مؤسسة الجادرجي من اجل العمارة والمجتمع" نشاط تحكيم وتوزيع جائزة الجادرجي التاسعة عشرة لطلبة العمارة في لبنان في حفل حاشد اقيم في بيت المهندس، حضره رئيس اتحاد المهندسين اللبنانيين النقيب المعمار جاد تابت ونقيب المهندسين في الشمال بسام زيادة والمعمار غريغوار سيروف وحشد من رؤساء الجامعات وعمداء كليات العمارة ورؤساء الاقسام والمعماريين.

بدأ النشاط بعرض المشاريع المشاركة، ثم تقدم الطلبة مع مشاريعهم امام لجنة التحكيم والحضور، جرى بعده تكريم الطلبة المشاركين من جامعات العمارة في مهرجان جوائز المعماريين العرب AAA.
وتحدث في الحفل رئيس رابطة المعماريين في بيروت المعمار عاطف مشيمش الذي عرف بحيثيات النشاط، وعرض فيلم وثائقي لخمسة دقائق عن مهرجان جوائز المعماريين العرب والتحضيرات له ومشاركة الطلاب فيه.

صادق
ثم تحدث منسق الجامعات في المهرجان المعمار حبيب صادق، فقال: "لولا زملاؤنا في الجامعات ورؤساء الجامعات لا اعتقد اننا كنا استطعنا ان تكون بيروت منبرا لنقاش وتقييم وضخ الانتاج المعماري بدءا من البحر المتوسط مرورا ببلدنا".
ودعا الى "الاستمرار بهذه الهمة لأن بيروت مدينة سقفها عال وترتفع وتستمر في رسم آفاق عالية في عالمنا العربي".

شربل
وكانت كلمة لمقرر اللجنة التنظيمية في مهرجان جوائز المعماريين العرب المعمار انطوان شربل فاعتبر ان "من اجمل المشاهد التي يمكن ان يراها المهندس او الاكاديمي والمعمار هو هذه المنصة في بيته الثاني للطالب الا وهي الجامعة وبين بيته الثالث وهي النقابة لأن مهرجان جوائز المعماريين العرب كان جسر تلاق بين الطالب ومدينته، لأن الطالب يتحصن بالجامعة اكاديميا وتربويا ثم يتحصن بالنقابة مهنيا بحيث ان دور الجامعة يعطيه المخزون الكافي والنقابة تنظم له العمل الهندسي لرفع شأن مهنة الهندسة عبر تنظيم العمل النقابي واقامة الندوات علميا ومهنيا". 

خوري
وتوجه رئيس فرع المعماريين في نقابة المهندسين في بيروت المعمار ايلي خوري الى الطلاب مرحبا بهم في نقابة المهندسين، شاكرا مساهمتهم في مهرجان المعماريين العرب، لافتا الى "ان هذا الجهد هو في سبيل تطوير مهنة نبيلة هي مهنة العمارة". وقال: "حافظوا على الارث والتراث ولا تتكبروا بل تواضعوا لتكسبوا الخبرة المعمارية الكافية لأن العمارة علم وفن الانشاء وليس من حقنا ان نهدر ما ورثناه من اجدادنا اذ اننا ورثنا منهم متاحف جميلة حافظوا عليها واحترموها لأنها البداية في كل عمل معماري يتطلع حوله ليرى كيف يحاكي الجوار والطبيعة. انتم طلاب ستنتسبون الى نقابة المهندسين، نطلب منكم ان تكون نوعية رسم الخرائط ممتازة فتحترمون أنفسكم وتحترمون نقابتكم وضعوا جهدكم المعماري في كل تفصيل لأن العمارة الجميلة تكمن في التفاصيل".

تابت
وروى النقيب تابت من جهته، كيف "ان نجاح فعاليات مهرجان جوائز المعماريين العرب حدا ببعض ممثلي الدول المشاركة كمصر والاردن الى الرغبة في اقتباس مثل هذا المهرجان في بلادهم نظرا للنجاح الذي حققه"، راويا أنه قال لهم: "أنتم ترون ايام المهرجان الثلاثة لكنكم لم تروا التحضيرات التي انطلقت في الجامعات منذ اشهر واسابيع مع الطلاب والاساتذة من نقاشات وتداول افكار وغيرها، وما شاهتموه هو الجزء الاخير والصغير اما الجزء الاكبر هو في التحضيرات والتلاقي بين الجمهور والطلاب والأساتذة". 
اضاف: "عندما بدأت اعمال الحفر عن الآثار والتاريخ بعد الحرب في وسط بيروت بدأ الباحثون والعلماء يركزون على ايجاد مدرسة الحقوق الرومانية التي دخلت التاريخ واين تقع، فتبين لهم ان لا مبنى لمدرسة الحقوق بل كانت هناك حلقات يتجمع الطلاب حول الحقوقيين تحت شجرة او اي مكان ويتلقون الدروس وليس هناك من مبنى، واعتقد ان هذا هو اجمل شيء".

حفل خطابي 
ومساء، اقيم حفل خطابي واعلان النتائج وتوزيع الجوائز، فرأت عضو لجنة التحكيم في مؤسسة الجادرجي الدكتورة سمر مكي "ان رفعت الجادرجي هو علم من اعلام عالمنا العربي ولد عام 1926 في بغداد وبعد اكماله المرحلة الثانوية سافر الى بريطانيا في ال46 لدراسة العمارة واكمل دراسته عام 1952 قبل رجوعه الى بغداد، تزوج من الكاتبة والاديبة بلقيس شرارة الحاضرة بيننا اليوم من اصل لبناني ومن مواليد مدينة النجف الاشرف عام 1933 والحاصلة على بكالوريوس في الادب الانكليزي من جامعة بغداد عام 65. درس الجادرجي الفلسفة في جامعة هاردفرد اضافة الى تدريسه العمارة في جامعة بغداد. لقب بفيلسوف العمارة فقد اضاف الحداثة الى العمارة الاسلامية العراقية. هو مؤلف ومنظر بالعمارة وتستخدم مؤلفاته كمراجع تاريخية. يؤمن الجادرجي ان العمارة قاعدة لخدمة المجتمع وهي اداة للحوار الاجتماعي فجمالها يعكس جمال المجتمع وفكره. هنا اتت جائزة الجادرجي فقد ابدع في خدمة المجتمع مصمما لشعور المواطن في القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين، محترما العلاقة بين الحداثة والعمارة التقليدية".

أضافت: "بين الاعوام 1983 و1998 حمل رتبة استاذ زائر للعديد من الجامعات منها جامعات في لبنان والعراق وبريطانيا وسوريا والبحرين والنروج. حاز جوائز عدة منها آغا خان للعام 86 وزايد للكتابة 2008 والتميز للانجاز المعماري مدى الحياة من جامعة كوانتي 2015. له العديد من الكتب حول العمارة معظمها في فلسفة ونظريات العمارة وكتبه على سبيل المثال: شارع طه وهامي سميث الاحيدر والقصر البلوري وجدار بين ظلمتين. عاش فترة التسعينات في لبنان وهو حاليا اطال الله بعمره يسكن في لندن". 

مشيمش
بدوره قال رئيس رابطة المعماريين في نقابة المهندسين في بيروت: "يشكل نشاطنا اليوم محطة جديدة مهمة لعرض وتقييم وتكريم انتاجنا المعماري، في سياق التأكيد على الدور الاجتماعي للمعماري ومسؤوليته في تأمين حقوق الناس من خلال ابتكار فضاءات الحياة في السكن والعمل والرفاه، وفي التعبير عن تطور المجتمع وهويته وازمته، خارج ابتذال التأثيرات الشكلية الظاهرية للعمارة المرتكزة على اولوية تحقيقها لمصالح ريعية مباشرة، متجاهلة موقعها بصفتها التراث المعبر عن صورة الانسان وحواضره، وتأثيراتها الثقافية والمعنوية العاطفية، والوظيفية الاجتماعية في الانتماء الى المكان". 

أضاف: "ان العمارة هي حق من حقوق الانسان، صانع المكان ومؤسسه إذ تصبح الاماكن المعمرة ومحيطها الطبيعي الحيز الانساني الذي تسيل فيه الحياة بتفاصيلها. وتمثل العمارة التعبير الحي عن مقومات المجتمع وثقافته، والعمارة هي الاساس في تحقيق حاجات الناس المادية والرمزية والجمالية".

وتابع: "لقد دأبت نقابة المهندسين في بيروت على الاحتفال سنويا بتقديم جائزة المعمار المبدع رفعت الجادرجي في خطوة تأتي ضمن حالة تحضير وتقييم ونقض انتاجنا الاكاديمي المعماري.
ان ما تقوم به النقابة من تفاعل معماري حضاري جعلها منصة خلاقة تظهر ابداعات المعماري الصاعد في اتقان التصميم.
واستطاعت هذه المناسبة، بالتنسيق والتحضير مع الفرع ورابطة المعماريين ومؤسسة الجادرجي للعمارة والمجتمع، ان تنتج مهرجانا سنويا معماريا واكاديميا من اجل تشجيع وتحفيز الجامعات وطلبة العمارة على ابتكار السبل المعمارية المؤاتية مع المحافظة دوما على البعد الانساني والاجتماعي الذي اتسمت فيه ابداعات المعمار رفعت الجادرجي".

وأردف: "اننا اليوم بأمس الحاجة الى عمارة تواجه وتتوجه الى معالجة الاشكاليات المدينية ومفاعيل التوسع المديني السريع الى حد التشوهات والتهميش ولا شك اننا امام فصل تام للاشكال والاماكن عن واقع وظيفة الانتاج الاجتماعي وعن هموم المجتمع.
لقد امست المدينة في يومنا سوقا عقاريا افقدنا دورنا الطبيعي وفرض علينا التفاعل مع كتل واحجام مصنعة تقدم لنا كبدائل جاهزة لا دور لنا في تصنيعها وفي كيفية استخدامها لتلبية حاجاتنا.
في مسار هذه الجائزة التي بدأت في العام 2000 والتي تهدف الى تحفيز الابتكار والحداثة بالبعد الاجتماعي، سعت النقابة والمؤسسة وبالتعاون مع الجامعات الى البحث عن صيغ وآليات للتفاعل من اجل فتح حوار نقدي بناء لاستيعاب واقعنا الحالي وليس لتسويق افكار مجردة، وذلك لأن مداخلات وانتاجات رفعت الجادرجي قد قامت بتشكيل مساهمات جدية في تأسيس هذا الحوار الديمقراطي".

وختم مشيمش: "شكرا رفعت الجادرجي لانك جعلت بيروت مدينتك الثانية بعد بغداد وشاركتنا هم البحث وتحفيز الفكر المعماري العربي من اجل القضايا المعمارية ببعدها الاجتماعي والانساني. وفي هذه المناسبة، نشكر الجامعة اللبنانية بشخص عميدها محمد حسن الحاج التي اصدرت كتابا يوثق العمارة في رؤى بين رفعت الجادرجي ومجموعة من الطلبة والنقيب الراحل عاصم سلام".

خوري
وكانت كلمة لرئيس نادي لبنان الاخضر ورئيس فرع المعماريين في نقابة المهندسين في بيروت المعمار ايلي خوري قال فيها: "في كل سنة محطة تجمعنا: جائزة الجادرجي لطلبة العمارة في لبنان. نعود الى الهدف السامي من هذه الجائزة، وهو سقي الفكر المعماري الممارس والمنظر تشجيع فكر الطلبة لتحقيق الابداع والمساءلة، فتدعوهم الى الابتكار واتخاذ موقف عقلاني ومسؤول نحو متطلبات المجتمع".

أضاف: "ان فرع المعماريين في نقابة المهندسين يشجع دائما على الانشطة المعمارية، لان المعمار لا حدود له في المعرفة بل هو يتطلع دائما الى الامام فيواكب التطور دون التخلي عن الارث والتراث، لذلك يدعوكم الى توثيق هذا الفكر والنتائج المعمارية عبر لجان من الاكاديميين والممارسين وجلسات حوار مع الشباب ينبثق عنها لجان لمواكبة العمل النقابي ونقل طموحاتهم وافكارهم الى مكتب الفرع ومنه الى مجلس النقابة".

وتابع: "ندعوكم اليوم الى تسجيل اسمائكم للبدء بهذه الورشة، وان فرع المعماريين بدأ يتواصل مع جامعات العمارة في سبيل تطوير المهنة ورفع مستوى وفتح ابواب النقابة امام المعماريين لتقريب المسافات بين النقابة واهلها والتعرف على مشاكلهم، وتحفيزهم على الانخراط في الشأن العام، وتحضير محاضرات مشتركة، ونقل افكار وطموحات الخريجين وايجاد فرص العمل وابتداع افكار جديدة للمسابقات المعمارية الهادفة، وتعريف المهندسين الجدد على سوق العمل، والتواصل مع الجسم الاكاديمي في الجامعات، ووضع محاضرات مشتركة مع الجامعات وذلك ضمن برنامج زمني يوضع سنويا لهذه الانشطة".

وختم بالقول: "اما انتم اليوم الذين اشتركتم في هذه المسابقة، ماذا اقول لكم. انتم اليوم اصبحتم زملاء. ان هذا الوطن لكم، فكما رجال السياسة يقاومون بالسياسة وكما رجال المقاومة يقاومون بالمقاومة، فانتم قاوموا بالعمارة فأنتم مسؤولون عن جمال العمارة في المستقبل. كما تباريتم اليوم تباروا لمن يقدم الاجمل واجعلوا هذا الوطن اللبنان مدينة العمارة في الشرق الاوسط".

حوراني
وتحدث العضو الاداري الممارس في جمعية الجادرجي باسم الجمعية المعمار جوزف حوراني فقال: "تعرفت على رفعت الجادرجي في العام 1995 من خلال الجامعة في محترف معين وتكلم عن العمارة المحلية واثارني اسم رفعت الجادرجي كاسم عربي يدرس. أصبحت صديقا له في 1999 يوم اشتركنا في صراع ضمن حراك الخيار المهني، وقد كان رأس حربة ثقافة للدعم بكامل افكاره بحيث كان في هذا التيار مجموعة من الصقور ومجموعة من الحساسين". 


وتابع: "عندما اردت ان اكتب اطروحتي في الدكتوراه توجهت الى رفعت رغم الانتقادات الكثيرة التي تقول ان رفعت عمارته محصورة ضمن العمارة المحلية بينما الدكتوراه تتعلق بأمور افتراضية وليس ادوات التصنيع الكلاسيكية المعتاد عليها. وكان هذا الجدل حاد لدرجة ان رفعت قد وضع لي خطة طريق قوامها محور الانسان مع ان الواقع الافتراضي لا يلحظ وجود الانسان ضمن الواقع المحدد لأن الانسان موجود بالتعاطي مع هذه الآلة بينما الانتاج الفكري والمحلي ليس مرتبطا مباشرة بهذه التركيبة بين علاقة المصنع مع الصانع والاداء مع المصنوع. في الواقع الافتراضي تنقلب الرؤية، فقد كان رفعت رغم تحفظه المطلق بالتعاطي مع السيبرناتيك له مواقع قوة ضمن هذا الدفاع وهذه العلاقة الجدلية ليس في بعدها الافلاطوني النقاش للنقاش انما البعد المبني على فلسفة هيروكريتوس المعتمدة على ان بين جوهر الاشياء ترابط طبيعي، وان لادراك هذا الجوهر علينا ان نفهم التناقضات بين هذه العناصر فلا يمكن ان نفهم الدافئ من دون ان نفهم البارد ومطابقة هذه الاضداد توجد الازدواجية بين هذه المعطيات التي تشكل الواقع الافتراضي. اذا اردنا ان نوظف اي معطى يجب ان نفهم المعطى المقابل لأن هذه المعطيات لا تتطابق وفي هذه الرؤية نكون فكرة الاستراتيجية الجميلة".

وختم: "كان رفعت سباقا في هذه المعطيات بحيث ان ان الدراسات في تلك الفترة لم تكن معمقة في الواقع السيبرناتيك لذلك ادعو كل الزملاء والمتخرجين والممارسين الى اعادة زيارة هذا الانتاج الفكري لرفعت لأن الكلمة الاخيرة فيه لم تحسم بعد وهذا المعمار برأيي يشكل خريطة طريق لكم لإعادة انتاج هذا الفكر المعماري ضمن الاطر الانسانية والاجتماعية".

تابت
بعدما عرفت الدكتورة سمر مكي عن لجنة التحكيم، ألقى رئيس اتحاد المهندسين اللبنانيين ورئيس هيئة المعماريين العرب النقيب تابت كلمة قال فيها: "اردت ان اتحدث اليكم ايها الطلاب والمعماريون والمهندسون والانشائيون من القلب من دون كتابة نص لأن النص فيه شيء من البلاغة التي تضع حاجزا بين من يتكلم وبين الجمهور، ففضلت ان اتكلم بشكل مباشر معكم لأشارككم تجربتي في موضوع العمارة وتجربتي مع رفعت الجادرجي".

أضاف: "نحن هنا خمسة اجيال: جيل يمثل صديقنا واستاذنا غريغوار سيروف وهو جيل عاصم سلام الذي هو بيننا دائما، ثم جيلي الذين دخلوا الجامعة في الستينات، ثم جيل طلابنا الذين هم اساتذة الطلاب الحاليين والمعماريين الذين تخرجوا الآن. كل هذه الاجيال مجتمعة تشكل جائزة الجادرجي التي بلغت اليوم سن الرشد. يقال ان الرشد هو 18 سنة لكن الحقيقة هو 19 عندما يدخل الطالب الى الجامعة". 

وتناول تابت المرحلة التي كان فيها بعمر الـ19 سنة ودخوله الجامعة، قائلا: "في ذاك الوقت كان كل طالب يعيش في عالم الثقة بالعلم والتكنولوجيا وقدرتهما على تحسين ظروف المعيشة في العالم والقضاء على الفقر والمرض والمشاكل الاجتماعية. كنا نؤمن ان التطور العلمي لا حدود له وكان الجو جو تفاؤل، وكانت الشعوب التي تعيش من ظلم الاستعمار بدأت تتحرر وكان عهد الاستقلالات، وكان هناك تفاؤل كبير في قدرة هذه الشعوب على ان تتطور بسرعة وتقضي على كل قضايا التخلف الاقتصادي والاجتماعي". 

أضاف: "دخلت الجامعة في العام 1964 وبعد سنتين نظم في الجامعة الاميركية معرض معمار عربي اسمه رفعت الجادرجي واكتشفت ان هناك عمارة لها نكهة عربية وتتكلم بقوة العمارة الغربية. واكتشفت انه عندنا معمار يستطيع ان يعبر بقوة معينة تختلف تماما عما نجده في الإنتاج التجاري. كما اكتشفت قدرة المعمار العربي على ان يرتفع الى مستوى العمارة العالمية وكان بالنسبة لي اكتشافا فظيعا. كان احد اساتذتي في الجامعة المعمار الكبير عاصم سلام، واصبح فيما بعد صديقي ونقيبنا جميعا، وسألته عن المعمار العراقي فتحدث عن رفعت بإسهاب وعن اهميته بالنسبة له".

وتابع: "تخرجت من الجامعة عام 1969 ودخل العالم العربي في عصر اصعب ونهاية مرحلة التفاؤل بعد نكسة عام 1967 الذي هو بالحقيقة انقلاب جوهري ليس سياسيا فقط بل ايضا حضاريا. توقفت مرحلة التفاؤل ودخلنا في عصر الجدار بين الظلمتين. عصر كارثي بالنسبة للعالم العربي وبدأ التراجع الثقافي والفكري رغم أرباح النفط والتقدم العلمي والتكنولوجي في العالم العربي لكن التراجع كان ثقافيا ودخلنا مرحلة التخلف".

وقال تابت: "انتم اليوم ايها الشباب في مرحلة ثالثة: سقط الجدار لكن لا نعلم ماذا سيأتي. المرحلة الحالية مرحلة صعبة وفيها الكثير من الغموض الفكري والثقافي. تأتيكم الصور المعمارية من كل مكان من خلال تطور الوسائل الاجتماعية والانترنت. تأتي الصور والنماذج والاشكال. بالنسبة لكم ينبغي ان تجدوا البوصلة، اما بالنسبة لي فالبوصلة الحقيقية هي علاقة العمارة بالمجتمع. صحيح ان العمارة تصنع الاشكال لكن اذا لم تكن مرتبطة بمتطلبات وقضايا المجتمع تبقى اشكالا مجردة. العمارة هي فعل اجتماعي اساسا، فالفنان الذي يرسم اللوحة يمكن ان يعبر ويرسم في محترفه لا اثر فيه على المجتمع، بينما المعمار له اثر مباشر على المجتمع. عندما نبني اي مجمع او ندخل ضمن نسيج او حي معين، وعندما نعمل على تنظيم منطقة معينة، هذا الفعل يؤثر على المجتمع. اعتقد ان البوصلة بالنسبة لكم هي علاقة عمارتكم مع المجتمع. 
اريد ان اؤكد لكم ان المرحلة الحالية هي مرحلة صعبة. اريد ان اتكلم عن تجربتي هي تجربة معارك دائما وآخر معركة كانت صعبة واعتقد ان امكانيات النجاح فيها قليلة. تتذكرون مبنى وزارة السياحة (القاعة الزجاجية) الذي صممه المعمار الكبير عاصم سلام بحيث ان هناك تحديث او تجديد للمبنى، لكن التدخل شوه المبنى وطابعه المعماري واطلعت على الاشغال التي تقام وراجعت المعنيين من الوزير الى المؤسسة التي تمول هذا العمل والشركة المتعهدة. حاولت ان اقنعهم ان التشويه يطال المبنى الذي فيه طابع مميز لأن فيه رسالة، وهي محاولة التعبير الحديث بلغة محلية. حاولت ان اتكلم عن المبنى وعلاقاته الحجمية والقاعة الزجاجية التي تفتح على الشارع، لكن من دون جدوى، فأصدرت بيانا لكن الاعمال لا تزال مستمرة. عليكم ان تستمروا. ولو فشلنا في بعض المعارك لأن العمارة هي رسالة: رسالة اجتماعية وفكرية وثقافية. فأرجوكم ان تستمروا ولا تفقدوا الامل. ودورنا الاجتماعي هو مسؤولية علينا. أنتم تدخلون في هذا العصر الذي هو عصر المسؤولية الكبرى وانا اكيد انكم تستطيعون الاستمرار. انا واساتذتكم نعطيكم الشعلة فاستمروا...".

سيروف
ثم ألقى المعمار العالمي غريغوار سيروف كلمة، فرأى ان "الانهار الرئيسية في الشرق الادنى وهي النيل والفرات ادت الى فيضانات منتظمة في المياه الى ترسب الرواسب المغذية الى الاراضي الواقعة على ضفاف الانهر الى الزراعة، وانشأ هذا الحدث المستوطنات البشرية الاولى، الحضارات الاولى".

أضاف: "ان العودة الدورية لهذا الحدث، والفضاءات الهائلة التي احاطت به وبطء تدفق المياه صاحبت ولادة الثقافات. هذا هو المكان الذي نشأ فيه الادب والشعر والموسيقى وكل الفنون، على هذه الاراضي بنيت اول المعابد والقصور الاولى. بدأت العمارة التي وضعت لاحقا رموز هذا الفن الرئيسي لجميع الناس على مر العصور".

وقال: "حسن فتحي ورفعت الجادرجي المولودان في مصر والعراق على التوالي، لم يبقيا غير مبالين بفن البناء الغني لبلدانهما، لقد أصبحوا معروفين جيدا كأبطال العمارة التقليدية، ويدعون بشجاعة الى مزايا تقنيات الاسلاف واستخدام المواد المحلية، مما يجعل استخدام التهوئة الطبيعية يساهم في تقليل القساوة المناخية داخل المنازل. وقد واجهت في هذه العملية مع المعايير الدولية الحديثة، اتجاهات العمارة السائدة في جميع البلدان على اساس المنتجات المصنعة المستوردة التي تكون اجنبية بالكامل بالنسبة لبلدانها".

ولفت الى "تميز اليمن عن غيره من خلال هندسته المعمارية الاصيلة"، مشيرا الى أن الدول الاخرى لا تملك سوى اسس ثقافة السكان الاصليين وجهودهم لاثبات ان لديهم واحدة".

وقال سيروف: "ان هذه الدول المبنية عل آبار النفط والغاز لها نشاطها الرئيسي في ادارة اموال الاشخاص الآخرين. استبعاد هؤلاء الاوليغارشيين السكان المستوردين الذين تكمن مهمتهم فقط في ارضاء اهوائهم. ليس من المستغرب ان نجد هناك اطول واضخم واكثر كلفة والاكثر استهلاكا للطاقة واكثر المباني تلوثا.
لكن بالقرب من هذه الدول المتقلبة وغير الديمقراطية توجد دولة صغيرة، تخرج نفسها من البقية: لبنان بلد عبور يعاني ويعاني من تأثيرات اجنبية. انه اكثر تطورا من جيرانه. اختار الثقافة الغربية واستوعبها في وقت سابق واعمق من غيره، ومع ذلك، لم يتصف سكانه بطريقة حضارية بشأن تراثهم. كانت الثروة الفريدة التي كان يمتلكها حتى وقت قريب هي طبيعته الخضراء بالقرب من البلدان ذات الصحاري الشديدة. هذه الارض المذهلة التي تم وصفها والاشادة بها منذ العصور القديمة. كانت مدللة وألحقت بها اضرارا، واهدرت، وتلوثت، وافسدت من قبل ايدي سكانها، وادى انتشار البناء في كل مكان الى ابطال سحر وسر المناظر الطبيعية، والدمار الذي يصيب الوديان والجبال بسبب المحاجر غير الخاضعة للرقابة لا يمكن اصلاحه. تخطيط البلد هو الفوضى ولا يبدو انه سوف يتحسن".

وتابع: "على الرغم من الفوضى المحيطة، لا يزال هناك مهندسون يستحقون التقدير. ولكن للاسف، فانهم لا يقرون بالازعاجات المحتملة التي قد تسببها مبانيهم للبيئة او ببساطة يتجاهلونها. انتاجهم المعماري منسجم مع اتجاهات العمارة المعاصرة غير انهم لا يعترفون الى اي مدى هذه المباني الشاهقة ضارة ويقبلون تصميمها لإرضاء غرور زبائنهم بالاضافة لانفسهم.
في الوقت الحاضر، ونظرا للاضرار التي لحقت بالبيئة نتيجة للاستهلاك المفرط للمواد الخام من جهة، وحقيقة ان المهندسين المعماريين أصبحوا مدمنين على اتجاه المباني باهظة الثمن عل الجانب الآخر، فمن الملح عليهم اعادة النظر في قوانينهم. يجب على المهندسين المعماريين اللبنانيين ان ينظروا في رسائل حسن فتحي ورفعت الجادرجي بتواضع واهتمام متعاطف".

وأشار الى انه "يجب عدم الالتزام بالمبادئ التوجيهية الموصى بها للمباني ذات الجودة البيئية العالية عن طريق الالتزام بالذات بالتكنولوجيا غير الملزمة. ان المهندسين المعماريين اذا كان متوقعا، يرغبون بشدة في التعبير عن الاصالة والابداع، ويمكنهم فعل ذلك دون ان ينجذبوا بالضرورة الى الاسراف والشذوذ، والمواد المكلفة، والواجهات الزجاجية من الارض الى السقف. سيتعين عليهم اظهار الشجاعة من اجل التوصية بمبان متواضعة الحكم حيث تكون اسطح الجدران العادية المبنية بمواد ذات اصل محلي اكثر اهمية من اسطح النوافذ والتهوئة التي توفرها ترتيبات الخطة".

وختم: "التحديات شاقة ولكن مع ملاحظة التميز في العمارة القديمة وعصر النهضة وحتى العديد من الامثلة على العمارة الحديثة قد تكون ملهمة، توقع الكاتب مشهور في القرن التاسع عشر ان الفن سينقذ العالم ولا بد للهندسة المعمارية وفن الفنون من تحقيق هذه النبوءة".