العالم

كلمة المطران حنّا رحمة في العشاء الرّسميّ في الكويت
الجمعة 10 شباط 2017
المصدر: جوزيفين ضاهر الغول، نور الشّباب، الكويت
ألقى راعي أبرشيّة بعلبك- دير الأحمر المارونيّة المطران حنّا رحمة كلمة في العشاء الرّسميّ في فندق كرون بلازا الفروانيّة – الكويت، قال فيها:

 

"أصحابَ السِّيادةِ والسَّماحةِ والسَّعادة، أيُّها الآباءُ، أيُّها الرسمِيُّون من الأُخوةِ العربِ والأجانبِ والفَعاليّاتِ والجمعيّاتِ والـمُنَظَّماتِ والإِعلامِيّين، أيها الحفلُ الكريم،

أَسْعَدَ الله مَساءَكم،

يُسعِدُني اليومَ أنْ أَكونَ فيما بينَكُم في هذا المساءِ الـمُباركِ الذي يجمعُ أَحبّاءَ وأصدقاءَ كُثُر.

 آتِيًا من بلادِ الأرزِ، من الجبلِ الـمُقدَّسِ، من لبنانَ وطنِنا الحبيب، لأكونَ هنا في هذا البلدِ العزيزِ الذي تَربِطُنا به محبّةٌ ومودَّةٌ وإعجاب. فالعلاقاتُ اللُّبنانيّةُ- الكويتيّةُ تاريخيّةٌ، مُتأصِّلةٌ، مَتينَةٌ ومميَّزةٌ مُنذ القِدَمِ، منذُ عام 1915 وما بعد، وما زالتْ هذه العلاقاتُ تشهدُ نُموًّا وتَطَوُّرًا على الصعدِ كافةً، فَجَميلُ دولةِ الكويتِ الشقيقةِ وصلَ الى كلِّ بُقعةٍ من أرضِ لبنانَ وشَمَلَنا نحنُ أَيضًا في بلدةِ دير الأحمر، مَقَرِّ المطرانيَّةِ، حينَما ساهَمَ الصندوقُ الكويْتِـيُّ للتنميةِ الاقتصاديَّةِ في تَكمِلَةِ قسمٍ من مُستشفى المحبة هناك.

اثناءَ تكريمِ الأُمَمِ المتَّحدةِ في مَقَرِّها في نيويورك عام 2014 لصاحبِ السُّمُوِّ الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أميرِ دولةِ الكويت، أُعطِيَ يومَها لقبَ "قائدًا إنسانيًا"، كما أعلَنَتْ دولةُ الكويتِ مركزًا إنسانيًا عالميًا، بعد أنْ حَقَّقَتْ خلالَ عشراتِ السنواتِ آلافَ المبادراتِ الإنسانيَّةِ لإِغاثَةِ المحتاجِ ومساعدةِ الأفرادِ والجماعاتش إِبّانَ الكوارثِ والحروبِ وحالاتِ الفقرِ والتَّشرُّدِ، وجَعَلَ سُـمُـوُّهُ خيراتَ الكويت في خِدمةِ الإنسانيَّةِ المتألِّمَةِ والمجروحَة.

إنَّ الإنسانيَّةَ الحقَّةَ هي التي تجمَعُنا اليومَ كلُبنانيِّين بإخوَتِنا أبناءِ هذا البلدِ العزيزِ وأبناءِ كلِّ البُلدانِ العربيَّةِ والأَجنَبِيَّة، لأنَّ الإنسانَ هوَ هوَ في كلِّ مكانٍ وكلِّ زمانٍ، لقدْ خَلَقَهُ الله على صورتِه ومثالِه، وهو مَدعوٌّ للتعاونِ مع أَخيه الإنسانِ، من أجلِ بناءِ حضارةِ المحبَّةِ والرُّقِيِّ والكرامةِ البشريّة.

إنَّنا جميعًا مدعوّون لتحقيقِ دعوتِنا الأولى ألا وهيَ القداسة. فالقداسةُ تَـمَرُّسٌ وهَدَف. إنَّها لا تُرتَجَلُ ولا تُقْتَنى بالمالِ، بلْ هيَ السِّــرُّ الدَّفينُ في أعماقِ كلِّ إنسانٍ.

نَسعى جميعُنا لتَحقيقِ ذَواتِنا في هذهِ الحياةِ، ونَعمَلُ على تطويرِ مُجتَمَعاتِنا وأَوطانِنا، إلاّ أنَّ عَمَلَنا يَبقى ناقِصًا إنْ لَـمْ يَقتَرِنْ بالمحبةِ والوعيِ العميقِ لدَوْرِنا في بناءِ غَدٍ أَفضلٍ للأجيالِ الآتيةِ التي سنُسَلِّمُها الـمِشعَلَ لتُكمِلَ الـمَسيرَة.

إِنَّكُم في هذا البلدِ الـمِضيافِ الكريمِ والمنفتحِ، قد حَقَّقتُم ذَواتَكُم وشاركْتُم في تَطويرِ دولةِ الكوَيْت وبُنيانِها وتَقدُّمِها، وهذا ما يعودُ عليها وعليكُم بالخيرِ واليُمنِ والتَّقدُّم.

إنَّ التعاونَ الإنسانيَّ الصادقَ هو سرُّ النجاح، والتنافسُ العاقلُ الهادفُ هو الذي يقودُ الشعوبَ نحوَ تحقيقِ تطوُّرِها وَرُقِـيِّها والبحبوحةَ، والحالُ أنَّ الخللَ الحاصلَ في العالمِ اليوم، هو نتيجةَ ذاكَ التفاوتِ في الإقتصادِ والمعرفةِ والإلتزامِ بالقِيَمِ السامِية. إنَّ المسوؤليّةَ اليوم إمَّا أن تكونَ "جماعيَّةً" أو لا تَكون! فالإنسانُ الجائعُ والجاهلُ هو قُنبُلةٌ مَوْقوتَةٌ في وجهِ الحضارةِ الـمُعاصِرة. والحروبُ والوَيْلاتُ لا يمكِنُ لها أَنْ تكونَ سَبيلاً للتَّقَدُّمِ والرُّقِيِّ، بل هي سببٌ للتَخَلُّفِ والتهجيرِ والحقدِ والتَشَرُّدِ والضَياع، فلَوْ تَكَلَّفَتِ الدُوَلُ على تحقيقِ العدالةِ الإجتماعيَّةِ والـمُساواةِ والتنميةِ للشعوب تَكَلُّفَها على صنعِ الحروبِ وإزالةِ نتائِجِها، لأصبَحَتِ البَشريّةُ أكثرَ تَطوُّراً وتَقَدُّمًا مِـمّا نَشهدُهُ اليومَ في العالم.

نحنُ اللبنانيّيونَ قدْ عانَيْنا الأَمَرَّيْن من جرّاءِ الحروبِ والتهجيرِ والقتلِ والتشريدِ والهجرةِ والى ما هُنالِكَ، ولقدْ رَأَيْنا حولَنا، بأمِّ العينِ، ما أصابَ الفِلسطينيِّين وما يُصيبُ اليومَ السوريّينَ وفداحةَ التهجيرِ وقساوَتَهُ، وإِنَّنا في كلِّ يومٍ نُعاينُ تَجَمُّعات الإخوةِ السوريِّينَ الـمُتَواجدينَ بينَنا وعلى تُخُومِ قُرانا ونُحاوِلُ الـمُساهمةَ في تقديمِ المأكلِ والمَشربِ والملبَسِ والكهرباءِ والدواءِ والتعليمِ وما الى هنالِكَ. فلماذا كلُّ تلكَ المآسي؟ لماذا لا نَسعى الى تَقَدُّم الشعوبِ وتَطوُّرِها من دونِ اللجوءِ الى النزاعاتِ والحروبِ والدَّمار؟

إنَّ عيدَ مار مارون شفيعَ كنيستِنا المارونيةِ يُلهِمُنا السَّبيلَ القَويمَ، فَمار مارون، بتَقديسِهِ ذاتِهِ ومُثابَرَتِه على الصلاةِ وخدمةِ البشرِ وتَوْجيهِهِم والدُّعاءِ لهم بالشِّفاءِ الجسديِّ والروحيِّ، جعلَ من نفسِهِ نَموذَجًا في التَّعاطي بينَ الناس. إنَّ قداسةَ مار مارون تَحثُّنا على الـمُضِيِّ قُدُمًا في تأسيسِ عالمٍ أكثرَ محبةً ورأفةً بالضَّعيف، إن ثقافةَ مار مارون وحِكمَتَهُ تَبعَثُ فينا التأمُّلَ والتَّبَصُّرَ في ايجادِ الطرقِ الأَسْلَمِ في إدارةِ الشعوبِ وتَقَدُّمِها ورُقِيِّها. نعم، إنَّ القِدِّيسينَ الذينَ أَرضَوا الله في حياتِهم ومماتِهم يُمكِنُهُم اليومَ أنْ يقولوا لنا أشياءَ كثيرةً، وعلينا أنْ نَستَلهِمَهُم قداسةَ حياتِنا ومَسْلَكِنا الإجتماعيِّ والوَطنيّ.

إنَّني إذْ أشكرُ لكُم حُسْنَ استِقْبالِكُم ومَحَبَّتِكُم وكَرَمِكُم، أَطلُبُ من الربِّ الإله أنْ يُحَقِّقَ السلامَ والأمنَ في أَوطانِنا، ويُعَمِّقَ الأُخُوَّةَ الحقيقيَّةَ بينَ الشعوبِ، ويَهْدي المسوؤلينَ سواءَ السبيلِ والحكمةِ السماويَّةِ إلى ما هو خيرُ البشريَّةِ جَـمْعاء. شكرًا من صَميمِ القلبِ لأصحابِ الدَّعوةِ الكِرام، شكرًا لكُم جميعًا أيُّها الإِخوةُ الأَحِبّاء، شكرًا على إِصغائِكم."