العالم

ساكو: الهجرة وتشتّت العائلة ضياع وموت معنوي حقيقي
الثلاثاء 30 نيسان 2019
المصدر: نورنيوز
في إطار زيارته إلى تركيا، وضع بطريرك بابل للكلدان مار لويس روفائيل ساكو باقة من الورد على ضريح المطران السّابق للكلدان في تركيا مثلّث الرّحمات المطران بولس كاراتش الّذي توفّي عام 2005، وأخرى على قبر أخيه زكريّا الّذي هاجر إلى تركيا عام 2003 وتوفي فيها في حزيران من نفس العام.

وكان ساكو قد زار مساءً مدافن الكاثوليك في إسطنبول برفقة سكرتيره الأب نوئيل فرمان وكاهن مساعد في رعيّة إسطنبول الأب رمزي أداي، بحسب موقع البطريركيّة الرّسميّ.
وللمناسبة نشر إعلام البطريركيّة خاطرة كتبها ساكو جاء فيها:
 "هاجرت عائلة أخي الأصغر زكريّا قبل سقوط النّظام ببضعة أسابيع، بالرّغم من وضعه الاجتماعيّ والماليّ الجيّد. أيّامها كنت كاهن رعيّة، فالتزمت الحياد بحزن وألم. وبعد سقوط النّظام، علمت أنّه مرض في تركيا بسبب الغربة والقلق والملل، ولم يمهله المرض إلّا أيّامًا وطوت الغربة سفر حياته.
يشهد الله أنّني لم أشجّع ولم أطلب تسهيل أو عرقلة هجرة أيّ شخص لا في عائلتي ولا في غيرها.
هذه الأيّام وعلى مدار يومين متتاليين التقيت بعدد من الأشخاص المهاجرين في تركيا موزَّعين على 68 محافظة في هذا البلد المجاور، ولكلّ منهم قصّة ومعاناة مُحزنة. وما أحزنني هو قرارهم العشوائيّ في الهجرة والّذي يفتقر إلى المعرفة والرّؤية والحكمة والإحاطة بمجمل التّحدّيات. منهم من له سبع سنوات أو وثمانٍ أو أكثر، لا عمل له، ولا مورد، ويعاني من الأمراض الجسديّة.
أولادهم فقدوا فرصة التّعلُّم في مدارسهم! والأنكى من ذلك هو تشجيع هذه العائلات لعائلات أخرى من أقربائهم أو أصدقائهم على الهجرة واللّحاق بهم! شرحتُ لهم أثناء اللّقاء أنّني كأب وراع أتألّم لألمهم، ويتضاعف ألمي حين أجدني عاجزًا عن مساعدتهم في مجال الهجرة لأنّ الدّول المبتلّية بمشاكل الهجرة لا تسمعني كما لا تسمع نداءات البابا فرنسيس المتكرّرة. كما ليس بمقدوري أن أنصح المهاجرين بالعودة، وهي الأخرى غير مضمونة. والدّولة "العراقيّة" غير قادرة أن تقدّم لهم شيئًا. باختصار أنّ هؤلاء معلَّقون!! ونفس الكلام ينطبق على المهاجرين العراقيّين في بلدان الجوار والمنتظرين قبولهم في الدّول الغربيّة.
والأكثر إيلامًا هو إحساسي بأنّني أجرحهم كلَّما أذكّرهم بأنّ هجرتهم هي مسؤوليّتهم!! إنّهم يعتقدون أنّ الكنيسة تصنع المعجزات؟ يا ليت.
من المؤسف أنّ العالم أنانيّ يكتفي بالوعود ونحن نكتفي بالتّظلُّم وإلصاق التّهم!! ثم حدِّث ولا حَرَج عن تشتّت العائلة الواحدة. فهناك العائلة الّتي لها ابن في فرنسا وآخر في ألمانيا وبنت أخرى في السّويد وأخرى  في أستراليا والثّالثة في كندا الخ. هذا الانقطاع  في العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة، أليس شكلاً من أشكال الموت؟ فالإنسان ليس جسدًا فحسب، بل كائن اجتماعيّ له انتماء وتاريخ وفكر وعلاقة ومشاعر…!!
أقولها أمام الله: إنّ الكنيسة في العراق قامت بواجبها وخدمت المهجّرين والمهاجرين بكلّ قواها، لكنّها لا يمكنها أن ترسل أموالاً ولا كهنة إلى 68 محافطة في تركيا وكذلك في الأردنّ ولبنان لخدمتهم، هذا يفوق طاقتنا ككنيسة. فقوّتنا الحقيقيّة سواء كنّا داخل العراق أو في المهجر نستمدّها من عمق إيماننا ورجائنا وسندافع عن وجودنا في العراق بكلّ ما أوتينا من قوّة لكي نبقى متمسّكين بإيماننا وترابنا وتاريخنا وتراثنا ولغتنا وساعينَ لبناء علاقة أفضل مع جميع مكوّنات شعبنا.
لنصلّ إلى الرّبّ ليفتح باب الفرج أمام أبنائنا ليبلغوا مبتغاهم في الوصول إلى بلد آمن يحقّقون فيه ذاتهم ويبنون مستقبلاً لأولادهم".