دينية

مار مارون والموارنة (الجزء الثاني)
الثلاثاء 07 شباط 2017
المصدر: نورنيوز
البروفسور الأب يوسف مونس
جميع الموارنة لم ينزحوا من سوريا الى لبنان ولم يتركوا كل السهول الخصبة الى صخور جبال لبنان طلباً لحريتهم. بل كانت هناك على طول امتداد الشاطئ من اورشليم الى صور وصيدا والجيه وبيروت وجونيه وجبيل والبترون وانفه وطرابلس وعكار، جماعات مسيحية خلقيدونية تسكن وتعيش. هذه الجماعات المسيحية الخلقيدونية استقبلت الجماعات التي نزحت من سوريا الى لبنان هاربة من الاضطهاد، طالبة الحرية والحماية في جبال لبنان العالية والوعرة حيث لا يصل الغزاة كي لا تتساقط عليهم الصخور والحجارة التي كان يرميها الموارنة (فوكريس). والجيوش التي كانت دوماً تسلك طريق الساحل ولا تجرؤ على المغامرة والعبور والسير في جبال ووديان لبنان.

وتجدر الملاحظة ان معظم المدن والقرى المارونية هي على علو اكثر من 700 متراً من جزين الى دير القمر، الى حمانا الى الشبانية الى عينطورة، الى العاقورة، الى قرطبا الى تنورين الى الحدث، الى بزعون الى كفرصناب الى اهدن الى بشري الى القبيات، الى المتين، الى الخنشارة الى حدشيت.
ـ الحريات المارونية التأسيسية ـ
المارونية تنسك ورسالة. وحدة وانخراط والتزام قضايا المجتمع وخدمته. هي في العالم وهي ليست من العالم كما قال يسوع. قدوة في الزهد والتجرد والابتعاد عن مجد العالم وشهوة المال وشهوة الجسد استجابة لنداء الناس واوجاعهم والآمهم وحاجاتهم وسماع لصوت السماء القائل اترك كل شيء واتبعني. الحضور الالهي يملأ صحراءهم فهي مدينة الله ومدينتهم توق الى السماء والبهاء الالهي يغرقون في لاهوت لتجسد حياة والاماً وصلباً وموتاً وقيامة. مجدهم عرينهم، وفخرهم زهدهم، يحملون ويجسدون صورة يسوع وصورة وحياة مؤسسهم مارون الماثل دوماً كيسوع مثالاً لهم وقدوة.
ويوم نزح البطاركة الشرقيون الى القسطنطنية هرباً من الاجتياح الاسلامي، بقوا وحدهم في هذه الارض والجبال واجتمعوا في مار يوحنا كفرحي وانتخبوا عليهم بطريركا يقودهم ويرأسهم ويكون لهم الاب والقائد والموجه وبقوا هكذا طوال تاريخهم من يوم حرق و«خوذقة» بطريركهم القديس ارميا العمشيتي الى البطريرك القائد الحدشيتي الى نداء الحرية والاستقلال والسيادة الذي اطلق اخيراً البطريرك صفير الى الصوت الصارخ اليوم لغبطة البطريرك بشارة الراعي.
واتت حركة تأسيس الرهبانيات المارونية حركة تجديد ونهضة كبيرة للحياة الروحية وحياة الكنيسة وطقوسها واشخاصها ورعاياها ومدارسها وارضها وبيئتها منذ المجمع اللبناني العظيم وقبله وهو الذي دعا الى اقامة المدارس في ظلال سنديانات الكنائس على جميع الاراضي اللبنانية الى الزامية ومجانية تعليم الصبيان والبنات منذ سنة 1736 اي قبل الثورة الفرنسية 1789 بخمسين سنة الى مدرسة حوقا، الى المعهد الماروني في روما، الى عين ورقة، الى مار مارون المعوش، الى رشميا، الى ميفوق، الى عشاش، الى مشموشه، الى مارتقلا الشبانية ومار انطونيوس حمانا ومار يوسف المتين الى دير القمر الى سيدة اللويزه الى مار ليشع الى مار بطرس كريم المتين الى حوب الى بيت شباب الى جميع القرى اللبنانية. مدارس اسست لقيامة النهضة العربية وحركة التنوير والطباعة في لبنان.
فكانت مطبعة دير مار انطونيوس قزحيا التي اسست لاهم المطبوعات والحركات الفكرية في لبنان والعالم العربي وقد قاومت ومنعت حركة «التتريك، بحفاظها مع الرهبان الموارنة على اللغة العربية. وهذا فضل لا ينكره احد ويقر به جميع العقلاء والعارفين وكانت ايضاً مطبعة دير الخنشارة واتت الحركة الزراعية باقامة «الجلالي» في الجبال والمنحدرات والصخور الوعرة، لتجعل من جبال لبنان جنة خضراء مقابل المحيط الصحراوي والممتد حولها. 
تبع كل ذلك نهضة طقسية ليتورجية مميزة جعلت من الليتورجيا المارونية  اجمل الليتورجيات الكنسية بعمقها اللاهوتي والتصاقها باحزان وافراح الناس مع مرور الايام والفصول موتاً وقيامة وحياة اعراساً وكل توابيت الاموات.
(في مار مارون... المارونية... ولبنان)، مار نصرالله بطرس صفير - صوم سنة 2010).