دينية

من هو البطريرك المارونيّ الّذي أُحرق حيًّا؟
الاثنين 08 تموز 2019
المصدر: نورنيوز
"الشّيخ مسعود" شيخ مارونيّ تبوّأ رئاسة الكنيسة المارونيّة مدّة عشر سنوات ومات مستشهدًا دفاعًا عن أرضه وشعبه. واليوم يتابع المعنيّون دعوى تطويبه في الوقت الّذي يقف فيه لبنان صامدًا في وجه الأعاصير، في زمن بات يحتاج فيها إلى أعجوبة سماويّة تنهضه من بين الرّماد.

إختير راهب حجولا الجبيليّة ليرأس كنيسة الموارنة بوحي إلهيّ، فقصّة البطولة المفعمة بالتّواضع والتّضحيات بدأت بعد عزل البطريرك يوحنّا العاقوريّ، إذ "ذهب الرّهبان إلى الوادي المقدّس في قنوّبين واجتمعوا بالنّسّاك على مدى أسبوع كامل، أمضوا أيّامهم داخل الصّومعة في التّأمّل والصّلاة. وفي صباح اليوم السّابع، اقترح رئيس وفد الرّهبان أن يكتب كلّ واحدٍ من المجتمعين على حدة، على ورقة من أوراق الشّجر البرّيّ، اسم البطريرك المختار بمشيئة الرّبّ ووحي روح القدّيس مارون. وبعد خلط الأوراق أجريت القرعة وتبيّن أنّ المختار هو راهب من قرية حجولا يدعى جبرائيل الّذي لم يكن بين الرّهبان في صومعة قاديشا وهو ما زاد في قناعة المجتمعين بأنّ خيارهم جاء من الوحي الإلهيّ"، وكان ذلك سنة 1357.
لم يتردّد البطريرك المختار بقول "نعم" لمشيئة الآب في رعاية شعبه وتسلّم مهامه في المقرّ البطريركيّ في سيّدة إيليج. نجح البطريرك في إعادة اللّحمة والمحبّة بين الموارنة بسرعة كبيرة ما أزعج المماليك فراحوا يزرعون الفتن فيما بينهم من أجل ضرب وحدتهم وزعزعة استقلالهم.
وكان في تلك الحقبة حرب صليبيّة على الإسكندريّة قادها ملك قبرص، هدفها الوصول إلى القدس. لم يميّز العسكر مدنيّين وعسكريّين، ولا بين مسيحيّين ومسلمين ويهود، الجميع نالوا نصيبهم. وأمام تلك الأحداث رأى المماليك الفرصة سانحة لهم لينالوا من البطريرك حجولا، فاتُّهم بالخيانة والتّعامل مع الصّليبيّين، وأمر الحاكم المملوكيّ بإلقاء القبض عليه وإعدامه.
وعلى الفور، تحوّل دير سيّدة إيليج إلى ساحة حرب، فالمماليك لم يعطوا أيّ اعتبار للمقام المسيحيّ المتميّز في لبنان والشّرق، بل اقتحموه واعتدوا على رهبانه فعذّبوهم وذبحوهم بوحشيّة لا تذكّر إلّا بوحشيّة "داعش" اليوم، إلّا أنّهم لم ينالوا من سيّد الصّرح الّذي لجأ إلى إحدى المغاور القريبة من بلدته الأمّ. هذا الأمر زاد المماليك إجرامًا فداهموا بلدات جبيل والبترون، أحرقوا البيوت، اعتقلوا الكهنة والرّهبان، وهدّموا الكنائس...
وأمام هذا الواقع، لم يستطع أن ينسى شعبه، فعاد البطريرك ليحمل الصّليب عنهم فسلّم نفسه وكُبّل وسيق متنقّلاً بين القرى من أجل تحرير الرّهبان والأساقفة الموقوفين، ووراءه يسير المؤمنون في موكب وقف عاجزًا أمام آلام بطريركهم. ساروا وراءه حتّى قلعة طرابلس حيث وُضع في زنزانة كادت الجدران تذرف الدّمع لقساوة الجلّادين عليه. ووسط آلامه، بقي صامدًا كالصّخرة، فبقي حارس سيّدة إيليج "قدوة صافية وصابرة" للرّهبان الأسرى الّذين عجّت بهم سراديب القلعة. هناك وقف وصرخ إلى الله قائلاً: "يا أبتاه.. لك روحي فليفعلوا بجسدي ما شاءوا".
أمّا المرحلة الأخيرة من الجلجلة، كانت بعد أمر القاضي بإضرام النّار وحرقه حيًّا. وهكذا كان، ووسط ألسنة النّار الملتهبة لفظ البطريرك البطل أنفاسه الأخيرة، وقال: "ربّي امنحني رحمتك واجعل رقادي الأبديّ في جنائن ملكوتك".
وهكذا قضى البطريرك حجولا شهيدًا في نيسان/ إبريل سنة 1367، ودُفن هناك لكي لا يكتشف أحد أمره وكُتب على قبره اسمًا تمويهيًّا، اسم "الشّيخ مسعود"، إلّا أنّ ضريحه "تحوّل مع الأيّام إلى مزارٍ للمؤمنين من المسيحيّين والمسلمين وعلى مدى سنوات كانت الأشفية تخرج من المكان الّذي احتضن رفاته هبة لمن آمن بقداسته".
كم تذكّرنا قصّة شهادة البطريرك جبرائيل حجولا بقصص أبطال اليوم، فكم من فكر يخاف من وحدة المسيحيّين وتميّزهم، وكم من داعشيّ يهاب اسم المسيح ورسله، وما أحوجنا إلى قائد من أرضنا يكون لنا اليوم أمثولة في الإيمان والوطنيّة والصّمود.
اليوم إلى البطريرك الشّهيد، قدّيس كنيستنا العتيد، نوكل لبنان وشعبه كي ينفح فيهما باسم الرّبّ يسوع، تواضعًا يوحّد صفوفهم، ويزرع فيهم هممًا وطنيّة تنقذ أرضهم، هممًا تزوّدهم بخصائل الأبطال وإيمانهم.