دينية

يا بطريرك الرّبع قرن... وداعًا!
الخميس 16 أيار 2019
المصدر: نورنيوز
قلبه ذهب وقلمه من نور. هو بطريرك الصّرح الدّائم وشيخه الحكيم. هو رجل الرّبع قرن الّذي صمد في قلعة الموارنة في بكركي، في وجه كلّ العواصف في أحلك الظّروف وأقسى الأزمات. إنّه البطريرك السّادس والسّبعون والكاردينال المارونيّ الثالث مار نصرالله بطرس صفير (1986- 2011)، بطريرك الكنيسة المارونيّة والوطن، رجل المهمّات الصّعبة.

 

في مسيرته، قرَنَ إيمانه الصّلب بعطاءات كبيرة وتضحيات عظيمة، تبلورت في ارتقائه السّلّم الكهنوتيّ بثبات، بعيدًا عن الشّهوات والمقايضات والحسابات الشّخصيّة. إذ سيم كاهنًا في 7 أيّار/ مايو 1950، ثمّ أسقفًا نائبًا بطريركيًّا في 16 تمّوز/ يوليو 1961، حتّى وصل إلى رأس السّلّم البطريركيّ في 19 نيسان/ إبريل 1986، فقبل مهمّته الجديدة بتواضع قائلاً: "انتخبتموني بطريركًا وأنا لست بأعلمكم ولا بألمعكم ولا بأحكمكم... ولكنّها إرادة الله... إنتخبتموني بطريركًا فحمّلتموني صليبًا ثقيلاً تنؤ كتفاي بحمله... إنّه صليب المارونيّة الّتي ألصق ولا يزال يلصق بها ممّا هي منه براء... إنّني أعرف أنّي ضعيف... ولكنّي أعرف في الوقت عينه ما يقوله الرّسول وهو: "أنّي قويّ بقوّة من يقوّيني"... قوي بالله... بالكنيسة، شعبنا المارونيّ... القدّيسون من بيننا".

هذا الصّليب قاده إلى رئاسة مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وإلى الكارديناليّة أيضًا في 26 ت2/ نوفمبر 1994، وعضوًا في المجلس الحبريّ لتفسير النّصوص التّشريعيّة وفي المجلس البابويّ لراعويّة الخدمات الصّحّيّة.

في كلّ تلك المراحل، كان صفير الخادم الأمين البشوش الّذي يعمل بصمت، تقوده حكمته ونظرته الثّاقبة الموضوعيّة في قراراته وآرائه، ودائمًا ضمن خطّ كنيسته، فتجذّر بها واستمدّ منها أفكاره وطوّرها في الخدمة الرّاعويّة والأسقفيّة على وسع الوطن وما بعده.

إبن ريفون لم يحكم بعصاه بل بعقله وفكره. لم يوارب ولم يساير، ولم يكن "بين بين"، فإذا تكلّم نطق بالكلمة الحقّ بوضوح وجرأة، بلغة متماسكة تنضح عمقًا واتّزانًا، فيصوّب نحو الهدف، ويروّض الفكر وينهض الضّمائر؛ ومعه "لا يصحّ إلّا الصّحيح".

تزامن عهده مع مخاض لبنان العسير، فشغله خلاص الوطن وسيادة أرضه واستقلالها. واجه فكرة التّقسيم ورفض انحلال الدّولة وإسقاط ميثاقها، فكان اليد البيضاء الّتي تبني جسور الحوار ليس فقط محلّيًّا، بل عالميًّا أيضًا، إذ اتّسعت بقعة اتّصالاته وزياراته لتطال أكبر الدّول، حاملاً إلى مسؤوليها أوجاع لبنانه، محاورًا كلّ الأقطاب، مؤكّدًا في كلّ مواقفه على مبادئ بكركي، مناضلاً في سبيل الثّوابت التّاريخيّة: الحرّيّة والإرادة والوحدة في التّعدّد، ساعيًا جاهدًا لتوطيد الوئام والمصالحة بين اللّبنانيّين عامّة وأبناء طائفته خاصّة، فحقّق مصالحة الجبل بين الموارنة والدّروز مكرّسًا إيّاها في زيارته التّاريخيّة عام ألفين وواحد.

مع الكاردينال صفير، تطوّرت الكنيسة المارونيّة رغم كلّ المحن، فحصل التّجديد الطّقسيّ والكنسيّ والعمرانيّ، وشُيّدت أبرشيّات في النّطاق البطريركيّ في لبنان والانتشار، حمل إلى أبنائه المنتشرين في أصقاع الأرض دفء الكنيسة الأمّ ورائحة وطنهم في زيارات عديدة. رسم أربعة وأربعين مطرانًا من بينهم البطريرك الحاليّ مار بشارة بطرس الرّاعي، وعقد المجمع البطريركيّ المارونيّ عام 2005 محقّقًا قفزة نوعيّة في مسار الكنيسة في الألفيّة الجديدة.

معه، عاش لبنان مجده يوم زاره البابا القدّيس يوحنّا بولس الثّاني عام سبعة وتسعين، فكان معهما "رجاء جديد للبنان".

وفي أيّامه، أعطت الكنيسة المارونيّة رفقا والحرديني قدّيسين، والكبّوشي وإسطفان نعمة طوباويّين، والبطريرك الدويهيّ مكرّمًا.

إختار هذا الهرم الكنسيّ أن يتنحّى وهو في الحادية والتّسعين من عمره، فاستقال بالتّواضع ذاته الّذي حمل فيه عصاه البطريركيّة، وسلّمها عام 2011 مقدّمًا أمثولة في الدّيمقراطيّة والتّناوب وحمل الأعباء والمسؤوليّة، ليتعكف كبطريرك شرفيّ في بكركي مصلّيًا ومتأمّلاً ويضحي منارة الصّرح البطريركيّ ببركة خلفه وكنيسته، ويترك اليوم للّبنانيّين عامّة والموارنة خاصّة أمثولة في الصّمود أمام كلّ التّحدّيات حتّى النّفس الأخير.